الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٤٣
الامر الثاني
وجه إعجاز القرآن وكونه كتاباً خارقاً للعادة
إنّ إعجاز القرآن في عصر الرسالة، كان يتمثّل في فصاحة ألفاظه، وبلاغة معانيه، وروعة نظمه، وبداعة أسلوبه الخاص فَعَرَبُ عَصْر الرسالة وبُلَغاؤهم وحذّاقُهم في الخطابة والشعر، لمسوا أنّ القرآن في ظل عُذوبة ألفاظه وسحر معانيه وجمال تأليفه ونظمه، وبداعة سبكه، لا يشبه الشعر ولا النثر، وأنّه كتاب جاء في قالب، لم يسبق له نظير فله جذابية خاصة، وهيبة رائعة تهتزبها النفوس تارة، وتقشعر منها الجلود أُخرى. فأحسّوا بضعف الفطرة عن معارضته، ولمسوا أنّه جنس من الكلام غير ما هم فيه، ووجدوا منه ما يغمر القوة، ويخاذل النفس، مصادمةً، لا حيلةً ولا خدعة، مع أنّه مؤلف من نفس الحروف الّتي هي المادة الأولى لكلماتهم وكلمهم.
إنّ المحققين في علوم القرآن، ومبيّني وجوه إعجازه، وإن ذكروا وجوهاً كثيرة لكون هذا الكتاب معجزاً، وسنمر على تلك الوجوه، غير أنّ جهة إعجازه في عصر الرسالة كان متمركزاً في جانبه البياني الّذي يتمثل في لفظه الجميل، ومعناه البليغ، ونظمه المعجب، وأُسلوبه الرائق. ولذلك أدهش عُقول الفصحاء والبُلغاء في عصر النبي، ولم يزل يدهش كلَّ عربي مُلِمّ بلغته، أو غير عربي عارف باللغة العربية، من غير فرق بين جيل وجيل.
إنّ للقرآن في مجالي اللفظ والمعنى كيفية خاصة يمتاز بها عن كل كلام سواه،