الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٣٦
والإجابة عن ذلك بوجهين:
الوجه الأول ـ أَصْدَقُ المعجزات ما شابه أرقى فنون العصر
إذا كان المعجز عبارة عما يخرق نواميس الطبيعة، فلا شك أنّ معرفة ذلك يختصّ بعلماء الصنعة الّتي يشابهها ذلك المعجز، فإنّ علماء أيّ صنعة أعرف بخصوصياتها، فهم يميّزون بين ما يعجز البشر عن الإتيان بمثله، وبين ما يمكنهم. ولذلك فالعلماء أسرع تصديقاً بالمعجز من غيرهم، وأمّا الجاهل فباب الشكّ عنده مفتوح على مصراعيه ما دام جاهلاً بمبادئ الصنعة، وما دام يحتمل أنّ المدّعي قد اعتمد على مبادئ معلومة عند الخاصة من أهل تلك الصنعة.
ولذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن يُخصَّ كلُّ نبي بمعجزة تشابه الصنعة المعروفة في زمانه، والّتي يكثر العلماء بها من أهل عصره، فإنّه أسرع للتصديق، وأقوم للحجة. فكان من الحكمة أن يُخَصَّ موسى ـ عليه السَّلام ـ بالعصا، واليد البيضاء، لما شاع السحر في زمانه وكثر الساحرون. ولذلك كانت السحرة أسرع الناس إلى تصديق برهانه لعلمهم بأنّ ما أتى به موسى، خارج عن حدود السحر، فتيقّنوا من كونه معجزة إلهية.
وشاع الطب اليوناني في عصر المسيح وأتى الأطباء في زمانه بالعجب العجاب، وكان للطب رواج باهر في سوريا وفلسطين، إذ كانتا مستعمرتين للرومان، فشاءَت الحكمة الإلهية، أن تجعل برهان المسيح شيئاً يشبه الطب، فقام بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، لُيْعلِم أهل زمانه أنّ ما أتى به خارج عن قُدرة البشر.
وأمّا نبيّ الإسلام، فقد ادّعى النبوة بين العرب، وكان الفن الرائج بينهم هو الشعر والخطابة، فقد برعوا في البلاغة، وامتازوا بالفصاحة، وبلغوا الذَّروة في فنون الأدب. وكانوا يعقدون النوادي ويقيمون الأسواق لإلقاء الخطابة والشعر، وكان المرء يُقَدَّر على حسب ما يحسنه من إلقاء الخطب الرنّانة والأشعار البليغة.
وقد بلغ تقديرهم للأدب والشعر إلى حدّ عمدوا إلى قصائد سبع، من خيرة