الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٩٤
ورحمته لهمّت طائفة أن يرضوه بالدفاع عن الخائن، غير أنّ فضله العظيم على النبي هو الّذي صدّه عن فعل ذلك، وأبطل أمرهم الّذي كان سيؤدّي إلى إضلاله.
وبما أنّ رعاية الله سبحانه وفضله الجسيم على النبي ليسا مقصورين على حال دون حال، أو وقت دون آخر، بل هو مشمول لهما ومحاطٌ بهما في جميع لحظات حياته، فلن يصيبَه من إضلالهم شيء، وإنّما يضرّون بذلك أنْفُسَهم، كما قال عزّ وجلّ: (وما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وما يَضُرُّونَكَ من شيء).
والفقرة الثانية تشير إلى مصادر حكمه ومدارك قضائه، وأنّه لا يصدر في هذا المجال إلاّ التعليم الإلهي.
ولما كان هذا النوع من العلم الكلّي أحد ركني القضاء، وهو لوحده لا يفي بالقضاء بالحق، وإنّما يتمّ القضاء بالحق بتمييز الصغريات، وهو تشخيص المُحقّ من المُبطل، والخائن من الأمين، والزاني من العفيف، أتى بالفقرة الثالثة، فقال: (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ). ومقتضى العطف، مغايرة المعطوف (وعَلَّمَكَ ..) للمعطوف عليه (وأَنْزَلَ ..) فإذا كان المعطوفُ عليه ناظراً إلى تمكّنه من الركن الأول ـ وهو العلم بالاحكام الكليّة الواردة في الكتاب والسنّة ـ يكون المعطوفُ ناظراً إلى الركن الثاني للقضاء الصحيح وهو العلم بالموضوعات والجزئيات.
فالعلم بالحكم الشرعي أولاً، وتشخيص الصغريات وتمييز الموضوعات ثانياً، جناحان للقاضي يحلّق بهما في سماء القضاء بالحق، من دون أن يجنح إلى جانب الباطل أو يسقط في هوّة الضلال. والفقرة الأولى تشير إلى الجانب الأول، والثانية إلى الثاني.
ومجمل ما تقدم أنّ الآية الأُولى تدلّ على أنّ الهدف من إنزال الكتاب، القضاء بين الناس بما أراه الله سبحانه، ولا يمكن أن يكون ما أراه سبحانه أمراً خاطئاً بل هو صواب على الإطلاق، هذا من جانب.
ومن جانب آخر إنّ القضاء بالحق ـ الّذي هو الغاية المتوخاة من إنزال