الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٩٣
يُضِلُّوكَ وَ مَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ مَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء وَ أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)[١].
الإستدلال بهاتين الآيتين وإن كان لا يتوقف على معرفة أسباب نزولهما، إلاّ أنّ الإحاطة بأسباب النزول توجب ظهورَهُما في مفادهما.
إنّ مجموع ما ورد حول هاتين الآيتين وغيرهما، من أسباب النزول، متفق على أنّها نزلت في شكوى رُفعت إلى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وكان كلٌّ من المتخاصمين يسعى ليبرء نفسه ويلقي التهمة على الآخر. لكن كان إلى جانب أحدهما رجل طليق اللسان حاول أن يخدع النبي الأكرم بإثارة عواطفه على المتهم البري، ليقضي على خلاف الحق، فعند ذلك نزلت الآيات ورَفَعَتِ النِّقاب عن وجه الحقيقة، وعُرِفَ المُحِقُّ من المُبْطِل[٢].
والدقة في فقرات الآية الثانية، يوقفنا على مدى صيانة النبي الأكرم وعصمته عن السهو والخطأ، فإنّها مؤلفة من فقرات أربع كلٌّ منها يشير إلى أمر خاص.
١ ـ (وَلَوْلا فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهَ لَهَمَّت طاِئفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وما يَضُرُّونَكَ من شيء).
٢ ـ (وَأَنْزَلَ الله عَلَيْكَ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ).
٣ - (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ).
٤ ـ (وكان فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً).
وإليك فيما يلي بيان ما تهدف إليه هذه الآيات وكيفية استنتاج العصمة منها.
الفقرة الأُولى تدلّ على أنّ نفس النبي بمجرّدها لا تصونه من الضلال، أي من القضاء على خلاف الحق، وإنّما الصائن له هو الله سبحانه، فلَوْلا فضلُ الله
[١] سورة النساء: الآية ١١٣.
[٢] راجع في الوقوف على مجموع ما نقل من أسباب النزول، تفسير الطبري، ج ٥، ص ١٦٩.