الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٨٧
٤ ـ الضمير في قوله: (بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَلْفِهِ)، يرجع إلى الرسول، والمراد من الأول ما بَيْنه وبين الناس، وهم المُرْسَل إليهم، فإنّ النبي يواجه الناس، وهم في مواجهته وبين يديه، كما أنّ المراد من الثاني، ما بين الرسول ومصدر الوحي الّذي هو الله سبحانه. وإنّما عبّر بالخَلْفِ، لأنّ النبي بُعث من الله إلى الناس، فالله خَلْفَه والناس أمامه بهذا الإعتبار.
٥ ـ قوله: (رَصَداً) الرصد هو الحارس الحافظ، يطلق على الجمع والمفرد.
والتدبّر في مفاد الآية يثبت بأنّ الوحي مصون ومحفوظ من لدن إفاضته من الله سبحانه، إلى وصوله إلى الناس، فإنّها تَعْتَبر الوحي فيضاً متصلاً من المرسِل (بالكسر) إلى المرسَل إليهم.
إنّ الآية تصف طريق بلوغ الوحي إلى الرسل، ومنهم إلى الناس، بأنّه محروس بالحَفَظَة يمنعون تطرق أي خلل وانحراف فيه، حتى يبلغ الناس كما أُنزل من الله تعالى. ويعلم هذا بوضوح ممّا تذكره الآية أنّ الله سبحانه يجعل بين الرسول ومن أُرسل إليهم (من بين يده) وبَيْنَهُ ومصدرِ الوحي (ومن خلفه)، رصداً مراقبين، هم الملائكة. وليس الهدف من جعلهم في هذه المواضع إلاّ الحفاظ على الوحي من كل تخليط وتشويش، بالزيادة والنقصان، الّتي ربما يقع النبي فيها من ناحية الشياطين بلا واسطة، أو معها. فإذا كان الوحي بهذه المثابة من الحراسة والمصونية في كلا المرحلتين، أعني المتقدمة ـ وهي من حين الإفاضة من المرسِل إلى حين البلوغ إلى النبي ـ والمتأخرة ـ وهي إبلاغه إلى الناس ـ كان كذلك فيما بينهما، أعني مرحلة الحفظ والوعي، فالنبي فيها مصون عن النسيان أو تدخل الواهمة لتغييره وتبديله. ولولا ذاك لما كان لحفظ الوحي بين يديه أيّ معنى.
ثم إنّه سبحانه يؤكّد ذلك بجملتين أُخريين:
الأولى، قوله: (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغوا رِسالات رَبِّهِمَ)، فإنَّها علّة لجعل الرصد بين يدي الرسول وخلفه. والمراد من العلم، التحقق الخارجي، على حدّ قوله سبحانه: (...فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ