الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٨٣
المرتبة الثانية للعصمة
عصمة النبي في تبليغ الرسالة
ذهب جمهور المتكلمين من السنّة والشيعة إلى عصمة الأنبياء في هذه المرحلة، ونُسب إلى أبي بكر الباقلاني (المتوفى سنة ٤٠٣ هـ) تجويز الخطأ في إبلاغ الرسالة سهواً ونسياناً، لا عمداً وقصداً.
قال صاحب المواقف: «أجمع أهل الملل والشرائع على عصمتهم عن تعمُد الكذب فيما دلّت المعجزة على صدقهم فيه، كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله. وفي جواز صدوره عنهم على سبيل السهو والنسيان خلاف، فمنعه الأُستاذ وكثير من الأئمة، لدلالة المعجزة على صدقهم، وجوّزه القاضي مصيراً منه إلى عدم دخوله في التصديق المقصود بالعجزة»[١].
هذا رأي الأشاعرة، وأمّا المعتزلة فإليك رأيهم بلسان القاضي عبد الجبّار، قال:
«إنّا لا نجوز عليه (النبي) السهو والغلط فيما يؤدّيه عن الله تعالى، و إنّما نجوّز عليه أن يسهو في فعل قد بيّنه من قبل، وأدّى ما يلزم فيه حتى لم يغاير منه شيئاً. فإذا فعله مرة لمصالحه، لم يمتنع أن يقع فيه السهو والغلط. ولذلك لم يشتبه على أحد الحال في أنّ الّذي وقع منه من القيام في الثانية هو سهو، وكذلك ما وقع
[١] المواقف، ص ٣٥٨.