الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٧٧
وهذا الجواب يستفاد من كلمات الشيخ المفيد والسيد المرتضى.
قال الشيخ المفيد: «العصمة تفضُّلٌ من الله تعالى على من علم أنّه يتمسّك بعصمته»[١].
وقال السيد المرتضى: «كلُّ من علم الله تعالى أنّ له لطفاً يختارُ عنده الإمتناع من القبائح، فإنّه لا بدّ أن يفعل به، وإن لم يكن نبياً ولا إماماً، لأنّ التكليف يقتضي فعل اللُّطف على ما دُلّ عليه في مواضع كثيرة، غير أنّه لا يمتنع أن يكون في المكلفين من ليس في المعلوم أنّ شيئاً متى فُعِلَ اختار عنده الإمتناع من القبيح، فيكون هذا المكلَّف لا عصمة له في المعلوم ولا لطف. وتكليف من لا لطف له يَحْسُنُ ولا يَقْبُحُ، وإنّما القبيح منع اللطف فيمن له لطف، مع ثبوت التكليف»[٢].
وحاصل ما أفاد هو أنّ الملاك في إفاضة هذا الفيض هو علمه سبحانه بحال الأفراد في المستقبل، فكل من علم سبحانه أنّه لو أفيض عليه وصف العصمة لاختار عنده الإمتناع من القبائح، فعندئذ تفاض عليه العصمة وإن لم يكن نبياً ولا إماماً وأمّا من علم أنّه متى افيضت إليه تلك الموهبة لما اختار عندها الإمتناع عن القبيح، فلا يفيضها عليه لعدم استحقاقه لها.
وعلى ضوء ذلك فوصفُ العصمة موهبةٌ إلهية تفاض على من يعلم من حاله أنّه باختياره ينتفع منها في ترك القبائح، فيعدّ مفخرة قابلة للتحسين والتكريم، وقد شبّه الشيخ المفيد العصمة بالحبل الّذي يعطى للغريق ليتشبث به فيسلم، فالغريق مختار في التقاط الحبل والنجاة، أو عدمه والغرق[٣].
ويترتب على ما ذكره السيد عدم انحصار العصمة النبي والوحي المنصوص عليه، بل تشمل كلَّ مَنْ علم الله سبحانه أنّه ينتفع منها في طريق كسب رضاه.
* * *
[١] شرح عقائد الصدوق، ص ٦١.
[٢] أمالي المرتضى، ج ٢، ص ٣٤٨، طبعة إحياء دار الكتب العربية.
[٣] لاحظ أوائل المقالات، ص ١١.