الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٧٦
فهذه العوامل الداخل بعضها في الإختيار، والخارج بعضها الآخر عنه، أوجدت مجتمعة في الأنبياء القابلية لإفاضة وصف العصمة عليهم، فتكون العصمة عند ذاك مفخرة للمعصوم، يستحق عليها التحسين والتبجيل.
يقول العلامة الطباطبائي: «إنّ الله سبحانه خَلَقَ بعضَ عباده على استقامة الفطرة واعتدال الخلقة، فنشؤا من بادئ الأمر بأذهان وقّادة، وإدراكات صحيحة، ونفوس طاهرة، وقلوب سليمة، فنالوا بمجرّد صفاء الفطرة وسلامة النفس، من نعمة الإخلاص، ما ناله غيرهم بالإجتهاد والكسب، بل أعلى وأرقى، لطهارة داخلهم من التلّوث بأوساخ الموانع والمزاحمات. والظاهر أنّ هؤلاء هم الُمخْلَصون (بالفتح) لله في مصطلح القرآن.
وقد نصّ القرآن على أنّ الله إجتباهم أي خلقهم، قال تعالى: (وَ اجْتَبَيْنَاهُمْ وَ هَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)[١]، وقال: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)[٢]»[٣].
وما جاء في كلامه يشير إلى القابليات الخارجة عن الإختيار، ولكنك عرفت أنّ هناك مقدمات واقعة في اختيارهم فاذا انضمت تلك إلى هذه، تتحقق الصلاحية المقتضية لإفاضة الموهبة الإلهية.
إجابة أخرى عن السؤال
وهناك إجابة أخرى وهي أنّ الله سبحانه وقف على ضمائرهم ونيّاتهم، ومستقبل أمرهم، ومصير حالهم، وعلم أنّهم ذوات مقدسة لو أُفيضت إليهم تلك الموهبة لاستعانوا بها في طريق الطاعة وترك المعصية بحرية واختيار. وهذا العلم كاف في تصحيح إفاضة تلك الموهبة عليهم من نعومة أظفارهم إلى أن أدْرجوا في أكفانهم، بخلاف مَنْ يعلم مِنْ حاله خلاف ذلك.
[١] سورة الأنعام: الآية ٨٧.
[٢] سورة الحج: الآية ٧٨.
[٣] الميزان، ج ١١ ص ١٧٧.