الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٧٥
لأصحابها، من مواهب الله سبحانه للأنبياء ومَنْ يقوم مقامهم من الأوصياء وإذا كانت موهبة منه، فلا تُعَدّ كمالاً ومفخرة للمعصوم، فتعود كصفاء اللؤلؤ، لا يستحق اللؤلؤ عليه حمداً وتحسيناً، لأنّ الحمد والثناء إنما يصحّان للفعل الإختياري، لا لما هو خارج عن الإختيار، والفرض أنّ المعصوم وغيره في هذا المجال سواء، لأنّ ذاك الكمال لو أُفيض على فرد آخر غيره لكان مثله.
جوابه
إنّ العصمة الإلهية لا تفاض على المعصوم إلاّ بعد وجود أرضيات صالحة في نفسه، تقتضي إفاضة تلك الموهبة إليه، وأمّا ما هي تلك الأرضيات، والقابليات، فخارج عن موضوع البحث، غير أنّا نشير إليها إجمالاً.
إنّ القابليات الّتي تسوغ نزول الموهبة الإلهية على قسمين:
قسم خارج عن اختيار المعصوم، وقسم واقع في إطار إرادته واختياره.
أمّا الأول ـ فهو عبارة عمّا ينتقل إلى النبي من آبائه وأجداده عن طريق الوراثة، فإنّ في ناموس الطبيعة والخلقة أنّ الأبناء يرثون ما في الآباء من الصفات الظاهرية والباطنية، فالشجاع يلد شجاعاً، والجبان جباناً.
وإضافة إلى ذلك، فإنّ هناك عاملاً آخر لتكوُّن تلك القابليات في النفوس هو عامل التربية، والأنبياء يتلقون الكمالات الموجودة في بيوتاتهم في ظل هذين العاملين، فيكّون ذلك في أنفسهم الأرضية الصالحة لإفاضة المواهب عليهم، ومنها العصمة والنبوة.
وأمّا الثاني ـ فهو عبارة عن المجاهدات الفردية والإجتماعية الّتي يقوم بها رجالات الوحي من أوائل شبابهم إلى أواخر كهولتهم، من العبادة والرياضات النفسية إلى مقارعة الطغاة والظالمين[١].
[١] أنظر إلى ما قام به إبراهيم على صغر سنه، ويوسف في بيت من تملكه، وموسى في مصر الفراعنة، والمسيح في بني إسرائيل، والنبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في عامة فترات حياته.