الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٧٣
الله سبحانه، فإنّه ممكن بالذات، فيقع تحت إطار قدرته، فبإمكانه تعالى إخلاد المطيع في نار جهنم، لكنه لا يصدر منه، لكونه مخالفاً للحكمة، ومبائناً لما وعد به.
وعلى ذلك فامتناع صدور الفعل من الإنسان، حفظاً للأغراض والغايات، لا يكون دليلاً على سلب الإختيار والقدرة.
وهكذا، فالنبي المعصوم قادر عل اقتراف المعاصي، بمقتضى ما أُعطي من القدرة والحرية، غير أنّ تقواه العالية وعلمه بآثار المعاصي، واستشعاره عظمة الخالق، يصدّه عن ذلك، فهو كالوالد العطوف الّذي لا يُقدم على ذبح ولده ولو أُعطي ملأ الإرض ذهباً، وإن كان مع ذلك قادراً على قطع وتينه، كما يقطع وتين عدوه.
يقول العلامة الطباطبائي: إنّ ملكة العصمة لا تغيرّ الطبيعة الإنسانية المختارة في أفعالها الإرادية، ولا تُخرجها إلى ساحة الإجبار والإضطرار. كيف، والعلم من مبادئ الإختيار، ومجرّد قوة العلم لا يوجب إلاّ قوة الإرادة. كطالب السلامة إذا أيقن بكون مائع ما سمّاً قاتلاً من حينه، فإنّه يمتنع باختياره من شربه، ويشهد على ذلك قوله سبحانه: (وَ اجْتَبَيْنَاهُمْ وَ هَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[١] ، والضمير في (واجْتَبَيْناهُمْ) يرجع إلى الأنبياء. وفي الوقت نفسه تفيد الآية أنّ في إمكانهم أن يشركوا بالله، غير أنّ الإجتباء والهداية الإلهية، يمنعان من ذلك.
ومثله قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)[٢].
[١] سورة الأنعام: الآيتان ٨٧ ـ ٨٨.
[٢] سورة المائدة: الآية ٦٧.