الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٦٩
والجواب من وجهين:
الأول: إنّ العصمة كما عرفت غصن من دوحة التقوى، ونتيجة العلم القطعي بعواقب المعاصي، واستشعار عظمة الربّ. وهذه ليست وليدة ساعتها، فينقلب غير المعصوم معصوماً بنزول جبرائيل عليه وإكسائه ثوب الرسالة، بل هي ملكة نفسانية لا تحصل إلاّ بعد رياضات ومجاهدات. فلا معنى حينئذ لجعل البعثة حداً في حياة النبي، لأنّا إذ قلنا بعصمته ـ وهي ملكة نفسانية ـ وجب أن تمتد جذورها إلى ما قبل البعثة بزمن مديد.
الثاني: لو كانت سيرة الداعي إلى الله، قبل بعثته مخالفة لما هو عليه بعدها، بأن يكون قبلها إنساناً سافلاً مرتكباً لقبائح الأعمال، لا يحصل الوثوق بقوله وإن صار إنساناً مثالياً، بل يتسرب الريب إلى كل ما يتفوّه به من أمر ونهي وإرشاد، بحجة أنّه كان في طرف من حياته متهتكاً، ملقياً جلباب الحياء، فكيف انقلب إلى رجل مثالي معصوم؟!.
لا شك أنّ لكل صفحة من صفحات عمر الإنسان الداعي تأثيراً في جلب ثقة الناس وانقيادهم إليه، ولوكانت ملطخة بالسواد في بعضها، لما سكنت إليه النفوس. فَتَحَقُّقُ الغرض الكامل من البعثة رهن عصمته في جميع فترات عمره. يقول السيد المرتضى ـ رحمه الله ـ في الإجابة عن هذا السؤال:
«إنا نعلم أنّ من يجوز عليه الكفر والكبائر في حال من الأحوال، وإن تاب منهما، وخرج من استحقاق العقاب به، لا نسكن إلى قبول قوله مثل سكوننا إلى من لا يجوز عليه ذلك في حال من الأحوال، ولا على وجه من الوجوه. ولهذا لا يكون حال الواعظ لنا، الداعي إلى الله تعالى، ونحن نعرفه، مقارناً للكبائر، مرتكباً لعظيم الذنوب، وإن كان قد فارق جميع ذلك وتاب منه عندنا وفي نفوسنا، كحال من لم نعهد منه إلاّ النزاهة والطهارة. ومعلوم ضرورةً الفرق بين هذين الرجلين فيما يقتضي السكون النفور، ولهذا كثيراً ما يعير الناس من يعهدون منه القبائح المتقدمة، بها، وإن وقعت التوبة منها، ويجعلون ذلك عيباً ونقصاً وقدحاً. وليس إذاً تجويز الكبائر قبل النبوة منخفضاً عن تجويزها في حال النبوة