الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٦٥
وأي عتب بعد هذا على الشيعة إذا اقتفوا في كلامهم اثر كتاب الله، فوصفوا رُسُل الله وأنبياءه بما وصفهم به ربُّ الجلال والعزّة في كتابه.
ولا يمكن لأحد إنكار عناية الشيعة بتنزيهه سبحانه عن وصمة الحدوث والجسمية، وأنبياءه عن وصمة الذَّنْب والخلاف. بل إنّك لن تجد في الأُمة الإسلامية طائفةً تهتم بالتنزيه والتقديس مثلَ الشيعة، سواء فيما يرجع إلى الخالق عزّوجل، أو أنبيائه ـ عليهم السَّلام ـ .
* * *
المقام الثالث: دليل لزوم عصمة الأنبياء عن الذنوب
اختلف المتكلمون في حدود عصمة الأنبياء على أقوال:
١ ـ قالت الأزارقة من الخوارج: يجوز على الأنبياء الكفر، اخذاً بمبدئهم من أنّ كلّ ذنب كُفْرٌ[١].
٢ ـ قالت الحشوية: «يجوز ارتكاب الكبائر على الأنبياء قبل البعثة وبعدها». وتمسكوا في ذلك بأباطيل لا أصل لها[٢].
٣ ـ والمعتزلة، منهم من قال: «يجوز على الأنبياء الكبيرة قبل البعثة ولا يجوز بعدها»، وهو أبو علي الجُبّائي. ومنهم من قال: «إنّ الأنبياء لا يجوز عليهم الكبيرة، ولا قبل البعثة ولا بعدها، وتجوز عليهم الصغيرة إذا لم تكن
[١] المواقف، ص ٣٥٩، ومن عجيب النِسَب ما عزاه القاضي الإيجي إلى الشيعة من تجويزهم إظهار الكفر من الأنبياء تقيةً، ثم ردَّه بأنَّ ذلك يفضي إلى إخفاء الدعوة إذ أولى الأوقات بالتقية وقت الدعوة، للضعف وكثرة المخالفين.
ولكنها فرية باطلة، الشيعة منها براء، فإنّ ذلك لا يجوز عندهم على الأنبياء ولا الأئمة بل لا يجوزِّونه لأعاظم الأمة من الفقهاء إذا كان في إظهار الكفر مظنة تزعزع عقائد الناس وتزلزلهم عن دينهم.
[٢] سرح الأصول الخمسة، للقاضي عبد الجبار، ص ٥٧٣ .