الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٦٤
حار في تحديد زمن ومصدر نشوء فكرة عصمة الأنبياء في الإسلام، ذهب إلى أنّ هذه الفكرة مرجعها إلى تطور علم الكلام عند الشيعة، وأنّهم أوّلُ من تطرق إلى بحثها في العقائد. ومردّ ذلك ـ يضيف هذا المستشرق ـ إلى أنّ الشيعة لكي يثبتوا أحقيّة إمامة أئمَّتهم وصحة دعوتهم في مقابل الخلفاء السنيين، أظهروا عصمة الرسل بوصفهم أئمة أو هداة[١].
هذا، والحقّ أنّ العصمة بمفهومها العام قد وردت أوساط المسلمين من خلال الإمعان في الآية القرآنية الّتي يصف فهيا الله تعالى ملائكته بقوله: (عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[٢]. ولن يجد الإنسان كلمة أوضح في العصمة من قوله: (لا يَعْصُوَن الله ما أَمَرهم).
كما أنّ الله سبحانه يصف الذكر الحكيم بقوله: (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد)[٣]، فإن هذا الوصف للقرآن عبارة أخرى عن المصونية من كل خطأ وتحريف.
بل إنّ الله سبحانه يصف منطق نبيه بالعصمة إذ يقول عزّ من قائل: (وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى)[٤].
ويقول: (ما كَذَبَ الفُؤاد ما رأَى)[٥]. ويقول: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَ مَا طَغَى)[٦].
فالعصمة بمفهومها الوسيع ـ مع قطع النظر عن موصوفها ـ مسألة أَلفتَ القرآن الكريم نظر الناس إليها، فلا معه يحتاج معه علماء المسلمين إلى الأحبار والرهبان أو إلى نضاجة علم الكلام في عصر الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، لينتقلوا إلى هذا الوصف.
[١] عقيدة الشيعة، تأليف المستشرق رونالدسون، ص ٣٢٨.
[٢] سورة التحريم: الآية ٦.
[٣] سورة فصلت: الآية ٤٢.
[٤] سورة النجم: الآيتان ٣ و ٤.
[٥] سورة النجم: الآية ١١.
[٦] سورة النجم: الآية ١٧.