الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٦٣
هذه التحليلات والبيانات الثلاثة الّتي ذكرناها في حقيقة العصمة، نظريةٌ واحدةٌ تُعْرِبُ بمجموعها عن أَنَّ العصمة قُوّةٌ في النفس تعصم الإنسان عن مخالفة الرّب سبحانه وتعالى، وهي معجونةٌ في ذات الإنسان الكامل وهُوِيَّتَهُ الخارجية.
نعم، كل ما ذكرناه يرجع إلى العصمة بأحد معانيها، وهو المصونية عن المعصية والتمرّد على أوامر المولى، وأمّا العصمة في مقام تلقّي الوحي أوّلاً، والتَّحَفُّظ عليه ثانياً، وإبلاغه إلى الناس ثالثاً، والعصمة عن الخطأ في الأُمور الفردية والإجتماعية، فلا بدّ لها من عامل آخر، نتعرض له في الأبحاث الآتية، بإذنه تعالى.
* * *
المقام الثاني ـ مبدأ ظهور فكرة العصمة
إنّ الكتب الكلامية، قديمها وحديثها مشحونة بالبحث عن العصمة، فيقع السؤال في مبدأ ظهور هذه الفكرة بين المسلمين، ومن يقف وراء طرحها في الأوساط الكلامية.
لا ريب في أنّ علماء اليهود ليسوا هم المبدعين لهذه الفكرة، لأنّهم يصفون أنبياءهم بأقبح الذنوب وأفظع المعاصي وهذا العهد القديم يسجّل لداود وسليمان وقبلهما يعقوب، ما يندى له الجبين ويخجل القلم عن نقله[١]، فكيف يمكن بعد هذا أن يكون أحبار اليهود المظهرين للإسلام، هم المبدعون لهذه الفكرة.
ولا شك أيضاً في أنّ علماء النصارى ليسوا هم كذلك، فإنّهم وإن كانوا ينزهون المسيح عن كلِّ عيب وشين، إلاّ أنّ ذلك ليس بملاك أنّه بشريٌّ أُرْسل لتعليم الإنسان وإرشاده، بل بما هو «إلهُ متجسِّد» أو «ثالثُ ثلاثة».
وبعد هذا فاعلم، أنّ بعض المستشرقين من رماة القول على عواهنه، لَمّا
[١] سنتعرض لذلك مفصّلا عند البحث في الشاهد الرابع من شواهد إعجاز القرآن، وهو هيمنته على الكتب السماوية، من مباحث النبوة الخاصّة.