الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٦١
فالإنسان العادي اللامس لهذه المعادن المكتنزة، لا يحسّ فيها بالحرارة، ولا يرى فيها النار واللهيب، لأنّه يفقد حين المسّ الحسّ المناسبَ لدرك نيران النشأة الآخرة. وأمّا الإنسان الكامل، المالك، لهذا الحسّ إلى جانب بقية حواسه العادي، فإنّه يدرك الوجه الآخر لهذه الفلزات، ويحسّ أيما إحساس بنارها ولهيبها، فلذلك هو يجتنبها كاجتنابه النيران الدنيوية، ولن يقدم أبداً على جمعها وتكديسها.
وهذا البيان الثاني الّذي ذكرناه، يفيد أنّ للعلم مرحلة قوية، راسخة، تُغَلِّب الإنسان على الشهوات وتَصُدُّه عن فعل المعاصي والاّثام. ونجد هذا البيان في كلمات جمال الدين الفاضل مقداد بن عبد الله السُيوري الحلِّي في كتابه القيّم «اللّوامع الإلهية»، يقول: «العصمة ملكة نفسانية تمنع المتصف بها من الفجور مع قدرته عليه. وتتوقف هذه الملكة على العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات. لأنّ العفة متى حصلت في جوهر النفس وانضاف إليها العلم التام بما في المعصية من الشقاء وفي الطاعة من السعادة، صار ذلك العلم موجباً لرسوخها في النفس، فتصير ملكة»[١].
وليس المُدَّعى أنّ كل علم بعواقب الأفعال يصد الإنسان عن ارتكابها، وأنّ العلم بمجرده يقوم مقام التكليف الإلهي، فإنّ ذلك باطل بلا ريب، لأنّا نرى الكثيرين من ذوي العلوم بمَضرَاتِ المُخَدِّرات والمُسكرات والأعمال الشنيعة لا يتورعون عن ارتكابها، استسهالاً للذم في مقابل قضاء وَطَرهم منها. فلو كان العلم بعواقب المعاصي من قبيل ما نتعارفه من أقسام الشعور والإدراك، لتسرب إليه التخلّف، لكنّ سنخ العلم الّذي يصيِّر الإنسان معصوماً، ليس من سنخ هذه العلوم والإدراكات المتعارفة، بل علمٌ خاصٌ فوقها، ربما يعبر عنه بشهود العواقب وانكشافها كشفاً تاماً لا يبقى معه ريب.
وإن شئت تقريب ذلك أكثر، فلنفترض أنّ إنساناً يرى أمام ناظريه بركاناً عظيماً يقذف بكتل هائلة من الحميم الملتهب، ووقف على أنّ اقتراف عمل ما
[١] اللوامع الإلهية، ص ١٧٠.