الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٦٠
الخطيرة، وإن كانت من قبيل السقوط في أعين الناس، وفقدان الكرامة وإراقة ماء الوجه بحيث لا ترغد الحياة معه.
فإذا كان العلم القطعي بالعواقب الدنيوية لبعض الأفعال يوجد تلك المصونية عن الإرتكاب، في نفس العالم، فكيف بالعلم القطعي بالعواقبِ الأُخرويِة للمعاصي ورذائل الأفعال، علماً لا يداخله ريبٌ ولا يعتريه شكٌ، علماً تسقط دونه الحُجُب فيرى صاحبُه رَأُىَ العينِ، ويَلْمِسُ لَمّسَ الحِسِّ، تَبِعاتِ المعاصي ولوازِمَها وآثارَها في النشأة الأخرى. ذَاك العلم الّذي قال تعالى فيه: (كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)[١]، فمِثْلُ هذا العِلم يخلُق من صاحبه إنساناً مثالياً، لا يخالفَ قول ربه قيد أنملة، ولا يتعدى الحدود الّتي رسمها له في حياته قدر شعرة، ولن تنتفي المعصية من حياته فحسب، بل إنّ مجرّد التفكير فيها، لن يجد سبيله إليه. وكأنّ الإمامَ علياً يصف هؤلاء في قوله: «هم والجنّة كمن قد رآها، فهم مُنعمون»[٢].
إنّ الإنسان إذا وصل إلى المقام الّذي يرى فيه بالعيون البرزخية تبدُّلَ الكنوز المكتنزة من الذهب والفضة، إلى جمرات ملتهبة تُكوى بها جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم، يمتنع ـ شهد الله ـ عن كنزها. يقول سبحانه: (وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَ جُنوبُهُم وَ ظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ)[٣].
إنّ قوله سبحانه: (هذا ما كُنْتُمْ)، يعرب عن أنَّ النار الّتي تكوى بها جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم ليست شيئاً غير الذهب والفضة، وإنّما هي تلك البيضاء والصفراء الّتي تتجلى بوجودها الأُخروي في تلك النشأة، فإنّ لها صورتان، صورةٌ دنيوية معروفة، وصورةٌ أُخروية هي النيران المحماة.
[١] سورة التكاثر: الآيتان ٥ و ٦.
[٢] نهج البلاغة، خطبة المتقين، الخطبة ١٩٣.
[٣] سورة التوبة: الآيتان ٣٤ و ٣٥.