الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٥٩
وعلى هذا، فالعصمة ملكة نفسانية راسخة في النفس، لها آثار خاصة كسائر الملكات النفسانية مثل الشجاعة والعفة والسخاء: فإنّ الإنسان إذا كان شجاعاً وصبوراً، سخياً وباذلاً، عفيفاً ونزيهاً، تراه يتطلب في حياته معالي الأمور، ويتجنب سفاسفها، فيطرد عن نفسه الخوف والجُبْنَ والبُخْلَ والإمساكَ، والقبائح والمساوئ ولاترى لها أثراً في حياته.
وهكذا نقول في العصمة، فإنّ الإنسان إذا بلغ درجة قصوى من التقوى، يصل إلى حدّ من الطهارة لا يُرى معه في حياته أثر من آثار المعصية والتمرّد على أوامر الله تعالى. وأما كيف تحصل فيه هذه الكيفية النفسانية، فهو ما نبحثه في الوجه الثاني.
وعلى ذكرنا، تنقسم العصمة إلى عصمة مطلقة وعصمة نسبية، والأُولى تختص بطبقة خاصة من الناس، والثانية تعمّ كثيراً منهم. فكم من الناس يتورعون عن السرقة والقتل ونحو ذينك، وإن عُرضت عليهم المكافآت المادية الكبيرة، وما ذلك إلاّ لانتفاء الحوافز إلى هذه الأفاعيل، في قرارة أنفسهم، إمّا نتيجة للتقوى أو غيرها من العوامل. وتصديق العصمة النسبية الملموسة لنا، يُقَرِّب تصوُّرَ العصمة المطلقة إلى الأذهان، والّتي هي كون الإنسان في مرتبة شديدة من التقوى تمنعه عن اقتراف جميع أنواع القبائح، طُرّاً.
الوجه الثاني: العصمة نتيجة العلم القطعي بعواقب المعاصي
إنّ العلم القطعي بعواقب الأعمال الخطيرة، يخلق في نفس الإنسان وازعاً قوياً يصدُّه عن ارتكابها، وأمثاله في الحياة كثيرة. فلو وقف أحدنا على أنّ في الإسلاك الكهربائية طاقة من شأنها أن تقتل من يمسّها عارية من دون عائق، فإنّه يحجم من تلقاء نفسه من مسّ تلك الأسلاك والإقتراب منها. ونظير ذلك، الطبيب العارف بعواقب الأمراض وآثار الجراثيم، فإنّه إذا صادف ماءً اغتسل فيه مصاب بالجُذام أو البَرَص، أو إناءً شرب منه مصابٌ بالسِّلِّ، لا يقدم على الإغتسال فيه أو شربه، مهما اشتدت حاجته إليه، لعلمه بما يَجُرّ عليه الشرب والإغتسال بذاك الماء الموبوء، من الأمراض، وقس على ذلك سائر العواقب