الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٤٩
والإشتغال بما تحتها من الشهوة والغضب والحسّ والخيال وولّت بوجهها شطر الحق وتلقاء عالم الملكوت، اتّصلت بالسعادة القصوى، فلاح لها سرّ الملكوت وانعكس عليها قدس اللاهوت، ورأت عجائب آيات الله الكبرى.
ثم إنّ هذه الروح، إذا كانت قدسية شديدة القوى، قوية الإنارة لما تحتها، لقوة اتّصالها بما فوقها، فلا يشغلها شأن عن شأن، ولا يمنعها جهة فوقها عن جهة تحتها، فتضبط للطرفين، وتسع قوتها الجانبين (الملك والملكوت)، لشدّة تمكّنها في الحدّ المشترك بين الملك والملكوت. لا كالأرواح الضعيفة، الّتي إذا مالت إلى جانب غاب عنها الجانب الآخر وإذا ركنت إلى مشعر من المشاعر، ذهلت عن المشعر الآخر.
فإذا توجهت هذه الروح القدسية الّتي لا يشغلها شأن عن شأن، ولا يصرفها نشأة عن نشأة، وتلقت المعارف الإلهية بلا تعلّم بشري، بل من الله، يتعدى تأثيرها إلى قواها، ويتمثل لروحه البشرى، صورة ما شاهده بروحه القدسي وتبرز منها إلى ظاهر الكون، فيتمثل للحواس الظاهرة، لا سيما السمع والبصر، لكونهما أشرف الحواس الظاهرة، فيرى ببصره شخصاً محسوساً في غاية الحُسْن والصباحة، ويسمع سمعه كلاماً منظوماً في غاية الجودة والفصاحة، فالشخص هو الملك النازل بإذن الله، الحامل للوحي الإلهي، والكلام هو كلام الله تعالى، وبيده لوح فيه كتاب.
وهذا الأمر المتمثل بما معه أو فيه، ليس مجرد صورة خيالية لا وجود لها في خارج الذهن والتخيّل، كما يقوله من لا حظ له من الباطن، ولا قَدَم له في أسرار الوحي والكتاب، كبعض أتباع المشائين، معاذ الله عن هذه العقيدة الناشئة من الجهل بكيفية الإنزال والتنزيل»[١].
[١] الأسفار الأربعة، ج ٧، ص ٢٤ ـ ٢٥.