الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٤٣
«أنا لا أعمل شيئاً، بل أسمع، فأنقل، فكأنّ إنساناً مجهولاً يناجيني في أذني»!!.
هذه خلاصة هذه النظرية وتاريخ نشأتها[١] ويمكن تحريرها بكلمتين:
الأولى: إنّ الشخصية الظاهرية العادية للإنسان، أسيرة قواه الظاهرية (الحواس الخمس).
الثانية: إنّ الشخصية الباطنة للإنسان إنّما تتجلى، وتظهر آثارها، إذا تعطّلت القوى الظاهرية، وتخدّرت فعاليتها، كما في حالات النوم العادي أو المغناطيسي.
ثم بلحاظ هاتين النكتتين، يفسّر الوحي في الأنبياء، فإنّ كل ما يحدثون به من التعاليم والإخبارات ليس إلاّ إفاضات شخصياتهم الباطنة وإيحاءاتها عند تعطّل قواهم الظاهرية.
تحليل نظرية الشخصية الباطنة
إنّ هذا التفسير للوحي ـ الناتج عن الغرور العلمي وحصر جميع ما في الكون ضمن إطار الأصول التجريبية ـ فاشل من جهات شتّى:
الجهة الأولى: إنّ الفرضية الّتي جاءت بها هذه النظرية ـ لو سلّمت ـ ليست دليلاً ولا برهاناً على كون خصوص الوحي عند الأنبياء من سنخ إفاضة الشخصية الباطنة وتجلّيها عند تعطّل القوى الظاهرية. بل قد تكون هذه الفرضية صحيحة، ومع ذلك يكون للوحي في الأنبياء عاملاً إلهياً، يفيض تلك المعارف والأصول والانباءات الغيبية إلى عقول الأنبياء وقلوبهم فيعرّفونها للبشر.
الجهة الثانية: إن الّذي تفيده هذه النظرية، هو أنّ الشخصية الباطنة للإنسان إنّما تتجلّى وتجد مجالاً للظهور بآثارها المختلفة، عند تعطّل القُوى
[١] لاحظ فيما نقلناه، دائرة معارف القرن الرابع عشر، ج ١٠، ص ٧١٢ ـ ٧١٦.