الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٤٢
قالوا: وهي الّتي تهديه بالخواطر الجيّدة من خلال حُجُبِهِ الجسمية الكثيفة، وهي الّتي تعطيه الإلهامات الطيبة الفجائية في الظروف الحرجة. وهي الّتي تنفث في روع الأنبياء ما يعتبرونه وحياً من الله، وقد تظهر لهم متجسدة فيحسبونها من ملائكة الله هبطت عليهم من السماء.
قالوا: وهذه الشخصية الباطنة أصبحت مُدْرَكَةً بالحسِّ، فإنَّ ظهور النائم نوماً مغناطيسياً، بهذا المظهر من العقل الراجح، والفكر الثاقب، والنظر البعيد، واكتشافه لخفايا الأُمور، وجولانه في الأقطار البعيدة، بينما يكون هو جاهلاً غبياً في حالاته العادية، أدلّ دليل على أنّ للإنسان شخصية تحجبها هذه الحياة الجسدية، ولا تظهر إلاّ إذا وقع جسمه في نوم طبيعي أو صناعي.
وهناك أمور أخرى تدلّ بالحس على وجود تلك الشخصية، درستها الجمعية وحققت تجارب الذين درسوها:
فقد كتب الأُستاذ الدكتور «ميرس»، فصولاً ضافية في التنويم المغناطيسي، والعبقرية، والوحي، والشخصية الباطنة، فذكر الحاسبين على البديهية، وهم طائفة من الناس، تلقى عليهم أعوص المسائل الرياضية الّتي تحتاج إلى زمن طويل في الحساب والعمل، فيجيبون عليها على الفور، وهم لا يدرون كيف وجد هذا الحلّ في نفوسهم. وهذا الأمر يثبت وجود الشخصية الباطنة بدليل محسوس، لأنّ الجواب الصحيح عن المسائل الرياضية العويصة، إن لم تأت به هذه الشخصية العادية، فلا بدّ أن تكون ثمرة قوى باطنة أخرى لا تنكشف للإنسان إلاّ بآثارها هذه.
وحكى العلامة «ميرس» قول العالم الفرنسي «ترودم»: «حدث لي في بعض الأحايين أنّي كنت أجد فجأة برهان نظرية هندسية القيت إليّ منذ سنة، وذلك من دون أن أعيرها أقل التفات. لعلّه يقال في تعليل ذلك إنّ المعلومات المختَرَنَة في عقلي من مطالعاتي قد نضجت من نفسها، وولّدت في عقلي البراهين عليها، من نفسها أيضاً».
وقال «ميرس»: لقد كتب الشاعر المشهور «موسيه» عن نفسه يقول: