الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٣٩
كذَبتك عينك أَم رأَيْتَ بواسط * غَلَس الظَّلام من الرباب خيالاً
وعلى كل تقدير، فالآية بصدد بيان أنّه لم يكن هناك اختلاف بين تصديق القلب ورؤية العين، فإذا صدّق القلب، تكون الرؤية حقيقةً.
ب ـ قوله: (مَا زَاغَ ألْبَصَرُ وَمَا طَغَى...).
أي ما زاغ بصر محمد وما طغى. وهو كناية عن صحة رؤيته وأنّه لم يُبصر ما أبصره على غير صفته الحقيقية، ولا أبصر ما لا حقيقة له. بل أبصر غيرَ خاطئ في إبصاره.
والآيتان بصدد بيان مصونية قلبه وبصره عن الخطأ، في مقام الأخذ والتلقّي، ولا تتم الصيانة إلاّ بمصونية كل جوارحه إذا كانت في خدمة الوحي. فهو ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يُبصْر بعينه، ويسمع بأُذنه، ويدرك بقلبه الأشياء والحقائق على ما هي عليه من دون خطأ.
ب ـ نُبُوَّةٌ أَو جنونٌ
ولك أن تقول، إنّ مقالة هؤلاء المتجددين، ليست بعيدة ولا غريبة عن اتّهام الأنبياء بالجنون الّذي هو في حقيقته مرتبة عالية وشديدة من تجلّي النزعات الخيالية. هذه التهمة الّتي افتراها العرب على النبي الخاتم، كما في قوله تعالى: (وَ قَالُوا يَا أَيُّهَا الذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لََمجْنُونٌ)[١]. وأشار إليها القرآن في موارد عديدة أخرى[٢]، وافتراها أعداء الأنبياء المتقدمين عليهم، كما يقول تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُول إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)[٣]، ثم افتراها هؤلاء القساوسة والمستشرقون
[١] سورة الحجر: الآية ٦.
[٢] قد جاءت هذه الفرية في المواضع التالية من الذكر الحكيم:
سورة سبأ: الآية ٨، سورة الصافات: الآية ٣٦. سورة الدخان: الآية ١٤. سورة الطور: الآية ٢٩. سورة القلم: الآية ٢. سورة التكوير: الآية ٨٢.
[٣] سورة الذاريات: الآيتان ٥٢ و ٥٣.