الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٣٨
قال تعالى: (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَم)[١] أي قالوا: إنّ النبي ليس مختاراً فيما جاءَ به من الكتاب، وشَرَّعه من الأحكام، وإنّما هو وحيُ الأحلام، وطوارق الرؤى تجري على لسانه.
وقد ردّ تعالى مزعمتهم هذه في موضع آخر من كتابه ـ من دون أن يذكر تُهمتهم ـ بقوله: (وَ النَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَ مَا غَوَى * وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى * وَ هُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَاَى * أَفَتَُمارُونَهُ عَلَى مَا يَرى * وَ لَقَدْ رَاَهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَ مَا طَغَى * لَقَدْ رَاَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرى)[٢].
فهذه الآيات تركز على صدق الوحي، وكونه أمراً واقعياً مُفاضاً من الله سبحانه. وأنْتَ إذا لاحظت منها الآيتين التاليتين، يتجلى لك بوضوح حقيقةُ ذلك.
أ ـ قوله: (ما كَذَبَ الفُؤَادُ ما رَأَى).
والمعنى لم يكذّب فؤاد محمد ما أدركه بصره، أي كانت رؤيته صحيحة غير كاذبة، وإدراكاً على الحقيقة.
وهذا، سواءٌ قُرِءَ «كذب» بالتشديد، فالموصول مفعولُه، أو قُرِءَ بالتخفيف، كما هو القراءة المعروفة، فهو يتعدى إلى مفعول، قال الشاعر:
[١] سورة الأنبياء: الآية ٥.
[٢] سورة النجم: الآيات ١ ـ ١٨ . والمراد من «شديد القوى» هو ملك الوحي والضميران في «فاستوى» و «وهو بالأفق الأعلى»، يرجعان إلى شديد القوى وكذلك الضمير في قوله: «أوحى»، وأمّا الضمير في عبده فيرجع إلى الله سبحانه.
وقد اشتبه الأمر على كثير من المفسّرين في تفسير هذه الآيات فزعموا أنّ النبي رأى الله سبحانه وتعالى.