الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٣٦
وإرجاع الوحي الإلهي إلى الوحي النفسي هو الجامع بين النظريتين المتقاربتين التاليتين اللتين طرحتا في زماننا هذا..
الأولى ـ الوحي نتيجة تجلّي الأحوال الروحية
هذه النظرية مأثورة عن المستشرق «مونتييه» وفصّلها «إميل درمنغام»، وحاصلها أنّ الوحي إلها يفيض من نفس النبي الموحى إليه لا من الخارج. وذاك أنّ منازع نفسه العالية، وسريرته الطاهرة، وقوة إيمانه بالله وبوجوب عبادته، وترك ما سواها من عبادة وثنية، وتقاليد وراثية رديئة، يكون لها في جملتها من التأثير ما يتجلى في ذهنه، ويحُدث في عقله الباطن، الرؤى والأحوال الروحية فيتصور ما يعتقد وجوبه، إرشاداً إلهياً نازلاً عليه من السماء بدون وساطة. أو يتمثل له رجل يلقنه ذلك يعتقد أنّه ملك من عالم الغيب، وقد يسمعه يقول ذلك ولكنه إنّما يرى ويسمع ما يعتقده في اليقظة، كما يرى ويسمع مثل ذلك في المنام الّذي هو مظهر من مظاهر الوحي، عند جميع الأنبياء، فكلُّ ما يُخْبر به النبي أنّه كلام القي في روعه، أو ملك ألقاه على سمعه، فهو خير صادق عنده.
ويقول أصحاب هذه النظرية: لا نشك في صدق الأنبياء في إخبارهم عمّا رأوْا وسمعوا، وإنّما نقول إنّ منبع ذلك من نفسه وليس فيه شيء جاء من عالم الغيب الّذي يقال إنّه وراء عالم المادة والطبيعة[١].
ويقولون في نفس النبي الأكرم إِنَّه توصَّل إلى الوحي بالإنقطاع إلى عبادة الله تعالى والتوجه إليه في خلوته بغارِ حِراء، وقَوِيَ هنالك إيمانُه وسَما وُجدانُه، فاتّسع محيطُ تفكُّرِهِ، وتضاعف نور بصيرتِه، فاهتدى عقله الكبير إلى الآيات البيّنات في ملكوت السموات والأرض، الدالّة على وحدانية مبدع الوجود، وسرّ النظام الساري في كل موجود، بما صار به أهلاً لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وما زال يفكّر ويتأمل، وينفعل ويتململ، ويتقلّب بين الآلام والآمال، حتى أيقن أنّه النبي المنتظر الّذي يبعثه الله لهداية البشر. فتجلى
[١] لا حظ الوحي المحمدي، صفحة ٦٦، الطبعة السادسة، ١٩٦٠ م.