الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٣٤
وثالثاً: لو كان لهذه النظرية مسحقة من الحق أو لمسة من الصدق، فما لنا لا نرى حملة الوحي ومدعي النبوة ينبثون بشيء من ذلك، بل نراهم على العكس، ينسبون تعاليمهم وسننهم إلى الله سبحانه، ولا يدّعون لانفسهم شيئاً.
هذا هو القرآن الكريم ـ الّذي جاء به النبي الخاتم ـ يصرّح بأنً ما حوى من الحقائق والقوانين، مّما أوحى به الله سبحانه، وليس هو من تلقاء نفسه:
(إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)[١].
(إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)[٢].
ولا يشك أحد في أنّ الأنبياء عبادٌ صالحون، صادقون لا يكذبون ولا يفترون، فلو كانت السنن الّتي أتوا بها من وحي أفكارهم، فلماذا يغرون المجتمع بنسبتها إلى الله تعالى. فهذه النسبة، إن دلّت على شيء، فإنّما تدلّ على أنّهم كانوا يجدون في أنفسهم أنّ إدراكَ هذه السنن والمعارف، إدراكٌ وراءَ الشعور الفكريُ المشترك بين جميع أفراد الإنسان، وأنّ الطريق الّذي يصلون به إليها، غيرُ طرق الإدراك المألوفة.
وبكلمة جامعة، إنّا نرى في المجتمع الإنساني طائفتين من رجال الإصلاح والصلاح، كلٌّ يدّعي سَوْقَ المجتمع إلى السعادة:
طائفة ـ ولهم جذور عريقة في التاريخ ـ ينسبون تعاليمهم وسننهم إلى عالم الغيب، ويثبتون لأنفسهم مقام الرسالة والسفارة وأنّهم ليس لهم شأن سوى كونهم وسائط لإبلاغ أمر الله ونهيه.
وطائفة أخرى ـ مع اتّصافهم بالصلاح والسداد والسعي وراء الصالح العام ـ ينسبون تعاليمهم إلى قرائحهم وبدائع أفكارهم، ويعلّلون مبادءهم ببراهين اجتماعية أو تاريخيّة أو عقلية، ولا يتجاوزون هذا الحدّ قدر شعرة.
[١] سورة الأنعام: الآية ٥٠.
[٢] سورة النجم: الآية ٤.