الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٣٣
الطبيعة، والقائلون بها جماعة من متجددي المسلمين، انسحبوا أمام هذه الحضارة ناسين شخصيتهم الإسلامية، فلجأوا إلى تفسير عالم الغيب والنبوة والدين والوحي بتفسيرات ملائمة للأُصول المادية، حتى يَجْبرُوا مركّب النقص في أنفسهم من هذه الزاوية، ويصيحوا على رؤوس الأشهاد بأنّ أُصول الدين لا تخالف الأصول العلمية الحديثة.
ولو صحّت هذه النظرية، لم يَبْقَ من الإعتقاد بالغيب إلاّ شيء واحد، وهو الإعتقاد بوجود الخالق البارئ، وأمّا ما سوى ذلك، فكلُّه بأجمعه نتاج الفكر الإنساني الخاطئ بالنتيجة، لا يبقى إذعان بشيء ممّا أتى به الأنبياء من الأصول والمعارف في الدنيا والآخرة. وهذا في الواقع نوع إنكار للدين، لكن بصورة لا تخدش العواطف الدينية.
وثانياً: إنّ قسماً ممّا يقع به الوحي ويخبربه النبي، الإنباء عن الحوادث المستقبلية، إنباءً لا يخطيء تحققه أبداً.
أفترى هل يجرؤ نابغة من نوابغ المجتمع على الإنباء بنزول العذاب قطعاً بعد أيام ثلاثة، ويقول: (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّام ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب)[١].
أو يخبر بهزيمة جيوش دولة عظمى في مدة لا تزيد على تسع سنين ويقول: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنى الأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ...)[٢].
إنّ النوابغ وإن سَمَوْا في الذكاء والفطنة، لا يخبرون عن الحوادث المستقبلية إلاّ مع الإحتياط والترديد، لا بالقطع واليقين وأمّا رجالات السياسة، اللاعبين بحبلها لمصالحهم الشخصية، سواء صدقت تنبؤاتُهم أم كذبت، فإنّ حسابَهم غيرُ حساب النوابغ.
[١] سورة هود: الآية ٦٥.
[٢] سورة الروم: الآيات ١ ـ ٤. والبضْع من العدد من ثلاثة إلى تسعة.