الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٢٩
سبحانه، من غير أن يحتاج إلى إعمال نظر، أو التماس دليل، أو إقامة حجة، ولو افتقر إلى شيء من ذلك، لكان اكتساباً عن طريق القوة النظرية، لا تلقياً من الغيب، من غير توسيط القوة الفكرية.
قال سبحانه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ)[١].
فهذه الآية تشير إلى أنّ الّذي يتلقى الوحي من الروح الأمين هو نفس النبي الشريفة (قلبك)، من غير مشاركة الحواس الظاهرة، الّتي هي الأدوات المستعملة في إدراك الأمور الجزئية. فالنبي يرى ويسمع حينما يوحى إليه، من غير أن يستعمل حاسَّتَيِ البصر والسمع.
قال سبحانه: (وَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)[٢].
فالأنبياء كلّهم يُسندون تعاليمهم وتنبؤاتهم إلى هذا النوع من الإدراك، الّذي لا مصدر له إلاّ عالم الغيب، وخالق الكون، ومثل هذا لا يمكن أن يُدْرَكَ كُنْهُه، بل يجب الإيمان به كما هو شأن كلِّ أمر غيبي لا يحيط الإنسان المادي بحقيقته، وإنّما يذعن به عن طريق المُخبِر الصادق. قال سبحانه: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ)[٣].
وعلى هذا، فالوحي حصيلة الإتصال بعالم الغيب، ولا يصحّ تحليله بأدوات المعرفة ولا بالأُصول الّتي تَجَهَّزَ بها العلمُ الحديث. ولما كان العاِلُم الماديُّ غيرَ مذعن بعالَم الغيب، ويرى أنّ الوجود مساوقٌ للمادة والطاقة، فيشكل عليه الإذعان بهذا الإدراك الّذي لا صلة له بعالم المادة وأُصوله.
[١] سورة الشعراء: الآية ١٩٣ و ١٩٤.
[٢] سورة يونس: الآيتان ١٥ و ١٦.
[٣] سورة البقرة: الآية ٣.