الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٢٥
١ ـ تقدير الخلقة بالسنن والقوانين
قال سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَ هِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَ لِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَ حِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)[١].
القضاءُ: فَصْلُ الأمر. وضمير: «هُنّ»، يرجع إلى السماء. وبما أنّ السماء كانت دُخاناً، كان أمرها مبهماً غير مشخص من حيث الغاية والفعلية. ففصّل تعالى أمرها، فجعلها سبع سموات في يومين، وأَخرجها بذلك عن الإبهام.
وأمّا قوله: (وأوحى في كل سماء أمرها)، فالمراد أنّه سبحانه أودع في كل سماء السنن والأنظمة الكونية، وقدّر عليها دوامها.
فإذا كان إيجاد السنن والنُّظُم في بواطن السموات ومكامنها، على وجه لا يقف عليه إلاّ المتدبر في عالم الخلقة، أشبه ذلك الإلقاءَ والإعلامَ بخفاء بنحو لا يقف عليه إلاّ الملقى إليه، وهو الوحي. فكان هذا كافياً في استعارة لفظ الوحي إلى مثل هذا التقدير والتكوين للسُنن، فقال: (فَأَوحى في كلُّ سماء أمرها).
ومن هذا القسم، قوله تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَ أَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَ قَالَ الإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا)[٢].
الإدراك بالغريزة
قال سبحانه: (وَ أَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكَ
[١] سورة فُصّلت: الآيتان ١١ و ١٢.
[٢] سورة الزلزلة: الآيات ١ ـ ٥.