الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٢
إن علماء الغرب قد بلغوا القمة في البحث عن هذه النظرية، فبحثوا عن أدوات المعرفة، حسيّها وعقليّها، كما بحثوا عن قيمة العلوم الإنسانية مضافاً إلى تحديد مجاري العلم والمعرفة، فإن لهذه المباحث أثراً خاصاً في الأبحاث الكلامية ورصد الحركات الإلحايدة، ولم يزل الألحاد يدب بين السذج من الشباب من هذه الطرق، فمن قائل باختصاص أدوات المعرفة بالحس، إلى قائل بلزوم الإيمان بما تثبته التجربة ورفض غيرها، إلى ثالث يحدّد معرفة العلوم الإنسانية بشؤون المادة وأعراضها، ويركز على أن ما وراء المادة خارج عن مجال الإدراك الإنساني وأنّه ليس للإنسان فيها القضاء والإبرام نفياً وإثباتاً.
وهذه الأفكار الفلسفية، أخطر على حياة الدين من الحملات العسكرية على كيان المسلمين.
الثالث: إنكار الفطريات
إن التعلّل بمعرفة النفس أصبح في هذه الأزمان أداة طيّعة في يد الإلحاد، خصوصاً الجامعيين المؤمنين بفروض «فرويد» ومنهجه فجعلوا علم النفس أساساً لإنكار الفطريات، الّتي يقوم عليها دين التوحيد، يقول سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَك للدِّين حنيفاً فِطْرَت اللهِ الَّتي فَطَر النّاس عَلَيْها لا تَبْديلَ لِخلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثرَ النّاسِ لا يَعلمونَ)[١].
وقد عادت علاقة الدين بالانسان عندهم وليد الميول الجنسية للإِنسان، بل أصبحت المعنويات عند أصحاب هذا المنهج ظاهرة طفولية، واستبقاء لعلاقة الطفل في يوم عجزه، بأُمه وأبيه، فإذا كبر الإنسان وأحس بعجز الأب والاُم تجاه الاخطار الكبرى مضى يبحث عن قوة أكبر وأقدر على حمايته تجاه الحوادث حتى يُحلَّها محل أبيه، وهكذا نشأت عندهم فكرة الإله.
فالعالم الكلامي الّذي يريد الدفاع حياض الإسلام والمسلمين لا
[١] سورة الروم: الآية ٣٠.