الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١١
خاصة، فعلى العلم وكشفه السلام، وعلى ذلك يصبح الدين ومعارفه وشرائعه علوماً صادقة نسبياً، ولو تغيرت الظروف لتغيرت مفاهيم الدين ومعارفه وتشريعاته، إلى غيرها، فاي قيمة لدين هذا اساسه، وأي وزن لمعارف إلهية لا تزال متزلزلة متغيرة بتغير الظروف.
إن نظرية النسبية من أخطر الحبائل الّتي طرحت أمام المتدينين والواقعيين ونحن لانأتي عليها ـ هنا بكلمة غير أنا نسأل أصحاب هذه الفكرة ـ ويا للاسف تحملها فلاسفة الغرب وأصحاب المناهج منهم، لا سيما الحسيين ـ هل أن القول بامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما، واجتماع الضدين، ومسألة العلية والمعلولية، وانقسام المفاهيم إلى الممكن والواجب والممتنع، من العلوم النسبية؟ أفهل يحتمل هؤلاء أن للظروف الزمانية والمكانية، والخصوصيات العالقة بذهن الإنسان، تأثيراً في هذه القضايا بحيث لو خرج الإنسان عن هذه القيود لتصوّر هذه القضايا بشكل آخر، فيجوِّز اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، أو يجوز وجود المعلول بلا علّة؟.
والعجب أن هؤلاء عندما يضفون على عامة الإدراكات لون النسبية وينكرون كل قضية صادقة على وجه الكلية وإلإطلاق والدوام ـ إن هؤلاء أنفسهم بذلك يثبتون قضية كلية دائمة الصدق غير متلونة بلون ولا محدودة بخصوصية خارجية أو ذهنية حيث يقولون ليس لنا قضية صادقة مطلقة كلية، فإن هذا القول منهم قضية مطلقة لا نسبية، ولو كان هذا النفي، نفياً نسبياً لاصبحت سائر القضايا مطلقة لا نسبية.
إن التركيز على أن للانسان علوماً مطلقة، مضافاً إلى أن له علوماً نسبية يقتضي التركيز على نظرية المعرفة قبل كل شيء في علم الكلام، فإن لتلك النظرية تأثيراً هاماً في جميع الأبحاث الكلامية، وقد كان القدماء من المتكلمين يبحثون عنها في مقدمات كتبهم فهذا هو الإمام الأشعري، كتب بحثاً مطولاً عن السوفسطائيين في مقدمة مقالات الإسلاميين، وتبعه البغدادي في كتاب أُصول الدين، وغيرهما من المتكلمين، حتى أن الامام البزدوي رئيس الماتريدية في عصره، خصّ فصلاً خاصا من كتابه في هذه النظرية.