الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٠٠
الدقيقة. فالمعجزة غير دالّة بالدلالة المطابقية على صحّة المعارف والأصول الّتي يأتي بها صاحبها، بمعنى أنّها ليست الحدّ الأوسط صحّة المدّعى، كالتغيير في قولنا: العاَلم مُتَغَيّر، وكلُّ مُتَغِّير حادث، فالعاَلُم حادث.
وإنْ كان الُمرادُ أنّ خرق العادة الملموسة ـ أعني قلب العصا حيّة ـ دليلٌ على أنّهم قادرون على خرق عادة أخرى غير ملموسة ـ وهي الإتصال بعالم الوحي وكون إدراكات النبي خارجة عن إطار الإدراكات العادية المتعارفة ـ فهو صحيح، وإليك بيانه:
إنّ الأنبياء ـ عليهما السَّلام ـ ، كانوا يواجهون في تبليغ رسالاتهم إشكالين عظيمين في أعين الناس:
الإشكال الأول ـ إنّهم كانوا يتخيّلون أنّ النبي المرسل من عالم الغيب، يجب أن يكون من جنس الملائكة، ولا يصحّ أن يكون إنساناً مثلهم.
والقرآن الكريم يحكي عنهم هذا الاعتراض، بقوله: (قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)[١].
وكان الأنبياء يجيبون سؤالهم بأنّ المماثلة أساس التبليغ، والوحدة النوعية غير مانعة منه، لإمكان أن يتفضل فرد من نوع على فرد من ذاك النوع، فيكون الفاضل مُرْسلاً، والمفضول مُرْسَلاً إليه.
والقرآن الكريم يحكي هذا الجواب، بقوله: (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)[٢].
الإشكال الثاني ـ إنّ الإنبياء ـ عليهما السَّلام ـ كانوا يَدَّعون أنّهم يتلقون الأصول والمعارف والأحكام والفروع من الله سبحانه عن طريق الوحي، وهو إدراك خاص يوجد فيهم ولا يوجد في غيرهم، وليس من قبيل الإدراكات العادية
[١] سورة إبراهيم: الآية ١٠.
[٢] سورة إبراهيم: الآية ١١.