السيرة النبوية - ط مكتبة محمد علي صبيح وأولاده - ابن هشام الحميري - الصفحة ١٠٢٩
قال : ثم سرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس ، فكنا في ناحية الوادي ، وبعثني أصحابي ربيئة لهم ، فخرجت حتى آتي تلا مشرفا على الحاضر .
فأسندت فيه ، فعلوت في رأسه ، فنظرت إلى الحاضر ، فوالله إني لمنبطح على التل ، إذ خرج رجل منهم من خبائه ، فقال لامرأته : إني لأرى على التل سوادا ما رأيته في أول يومى ، فانظري إلى أوعيتك هل تفقدين منها شيئا ، لا تكون الكلاب جرت بعضها ، قال : فنظرت ، فقالت : لا ، والله ما أفقد شيئا ، قال : فناوليني قوسي وسهمين ، فناولته ، قال : فأرسل سهما ، فوالله ما أخطأ جنبي ، فأنزعه ، فأضعه ، وثبت مكاني ، قال : ثم أرسل الآخر ، فوضعه في منكبي ، فأنزعه فأضعه ، وثبت مكاني ، فقال لامرأته : لو كان ربيئة لقوم لقد تحرك ، لقد خالطه سهماي لا أبالك ، إذا أصبحت فابتغيهما ، فخذيهما ، لا يمضغهما على الكلاب ، قال : ثم دخل .
قال : وأمهلناهم ، حتى إذا اطمأنوا وناموا ، وكان في وجه السحر ، شننا عليهم الغارة ، قال : فقتلنا ، واستقنا النعم ، وخرج صريخ القوم ، فجاءنا دهم لا قبل لنا به ، ومضينا بالنعم ، ومررنا بابن البرصاء وصاحبه ، فاحتملناهما معنا ، قال : وأدركنا القوم حتى قربوا منا ، قال : فما بيننا وبينهم إلا وادى قديد ، فأرسل الله الوادي بالسيل من حيث شاء تبارك وتعالى ، ومن غير سحابة نراها ، ولا مطر ، فجاء بشئ ليس لأحد به قوة ، ولا يقدر على أن يجاوزه ، فوقفوا ينظرون إلينا ، وإنا لنسوق نعمهم ، ما يستطيع منهم رجل أن يجيز إلينا ، ونحن نحدوها سراعا ، حتى فتناهم ، فلم يقدروا على طلبنا .
قال : فقدمنا بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن إسحاق : وحدثني رجل من أسلم ، عن رجل منهم : أن شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان تلك الليلة : أمت أمت . فقال راجز من المسلمين وهو يحدوها .