لواقح الانوار القدسية في بيان العهود المحمدية - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ٥٢٧
كل هذه الروايات في الصحيحين ، وفي رواية لمالك والبخاري أيضا : " " إن أحب الأعمال إلى الله تعالى الذي يدوم عليه صاحبه " " . وكانت عائشة إذا عملت عملا أثبتته يعني داومت عليه . وروى الترمذي مرفوعا : (أحب العمل إلى الله تعالى ما ديم عليه وإن قل) وإن قل . وقيل لعائشة رضي الله عنها : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص شيئا من الأيام ؟ قالت لا ، كان عمله ديمة ، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع ؟ ومعنى يحجره في الرواية الأولى : يتخذه حجرة ، وناحية فينفرد عليه فيها ، ومعنى يثوبون يرجعون إليه ويجتمعون عنده . وروى ابن حبان في صحيحه عن أم سلمة قالت : " " ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان أكثر صلاته وهو جالس " " ، يعني في النوافل ، وكان أحب الأعمال إليه ما داوم عليه العبد ، وإن كان يسيرا . والله تعالى أعلم . (أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم) أن نحب الفقر وقلة ذات اليد ، وكذلك نحب من كان بهذه الصفة أيضا من الفقراء والمساكين والمستضعفين ، ونحب مجالستهم عملا بقوله تعالى : * (ولا تعد عيناك عنهم) * . وذلك لأن رحمة الله تعالى لا تفارقهم فنحبهم ونحب مجالستهم لمحبة الله تعالى لهم ، وكذلك نحب الفقر لما فيه من كثرة سؤالنا للحق وتوجهنا إليه لعلة أخرى . وإيضاح ذلك أن حاجة العبد تذكره بالله تعالى وعدم حاجته تنسيه الحق ، قال تعالى : * (كلا إن الإنسان ليغطي أن رآه استغنى) * وقال * (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم) * . ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا وكفافا . أي لا يفضل عنهم من غدائهم ولا عشائهم شئ ، وذلك ليصيروا متوجهين إلى الله تعالى كل حين لا ينسونه .