لواقح الانوار القدسية في بيان العهود المحمدية - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ٣٨١
والإنسان إنما يزرع في أرض تنبت الزرع ومن بذر في السباخ [ أي الأراضي المالحة . دار الحديث ] فهو قليل العقل وغاب عني أن الله تعالى ما طلب مني إلجاءهم إلى امتثال أمره ، وإنما طلب مني ما طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : * (إن عليك إلا البلاغ) * . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من وفور شفقته يود أن لو دخل الناس كلهم الجنة ، فقال الله تعالى له : * (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) * . وقال تعالى : * (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين) * . فكل داع إلى الله تعالى لا بد أن يقع له كما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وراثة محمدية ، فيحجبه الله تعالى عن شهود انقسام أهل القبضتين إلى شقي وسعيد ، وعن كون ذلك حتما لا بد منه فلذلك يضيق صدر الداعي إذا عصوا أمره . فيحتاج الداعي إلى الله إلى مراقبة شديدة على الدوام عرفا لأنهم قالوا مراقبة الله على الدوام من غير تخلل فترة ليس من مقدور البشر ، فافهم . وقد قال لي مرة شخص من حذاق المريدين المقيمين عندي : لولا كثرة مخالفتنا لك ما عظم الله أجرك ، فأنت مأجور على كل حال إن أطعناك أو عصيناك ، فلك الأجر من الجهتين ، فالله تعالى يزيده توفيقا كما أيدني آمين ، فإنه نبهني على أن ذوق الأمور ليس هو كالسماع بها وثبتني حين تزلزت وقد ثبت الله تعالى الرسل بما قصه عن بعضهم فقال : * (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) * . وقال : * (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) * . وقال : * (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت) * . وكل داع إلى الله تعالى على قدم رسول من الرسل ، وكل من جاءه بلاء فوق طاقته احتاج ضرورة والله هو المصبر له إن صبر ، فلا يوجد أحد أتعب قلبا ولا بدنا ممن يتولى أمور المسلمين لغلبة وقوع الملل منه وعدم تحمله ذم رعيته له لا سيما نظار المساجد ، فإن جميع المستحقين يؤذونهم بلسانهم ويشكونهم للحكام ويحملونهم على المحامل السيئة وأنهم يأكلون مال الوقف .