ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٩٩
و لم يجد ترابا فلينفض ثوبه أو عرف دابته إن كان راكبا أو لبد سرجه فإن خرج من شيء من ذلك غبرة تيمّم بها و إن لم يخرج منه غبرة فليضع يديه على الوحل إلى آخر ما ذكره
و ذكر الشيخ في النهاية للتيمم مراتب فأولها التراب فإن فقده فالحجر فإن فقد تيمم بغبار عرف دابته أو لبد سرجه فإن لم تكن معه دابة تيمم بغبار ثوبه فإن لم يكن معه شيء من ذلك تيمّم بالوحل
و قال ابن إدريس لا يعدل إلى الحجر إلا إذا فقد التراب و لا يعدل إلى غبار ثوبه إلا إذا فقد الحجر و المدر و لا يعدل عن غبار ثوبه إلى عرف دابته و لبد سرجه إلا بعد فقدان غبار ثوبه و لا يعدل إلى الوحل إلا بعد فقدان ذلك و الأقرب الأول لصحيحة رفاعة و أبي بصير و موثقة زرارة فإن المستفاد منه التخيير
و يؤيده التعليل المستفاد من صحيحة زرارة و ذكر المصنف الثلاثة لكونها مظنّة للغبار لا للحصر فلو كان معه بساط و ما شاكله ممّا يجمع الغبار تيمم به لعموم الخبر
الثاني أطلق الشيخ فقال تيمم بغبار ثوبه و يوافقه صحيحة زرارة و صحيحة رفاعة و موثقة زرارة و ظاهر عبارة المفيد و سلّار وجوب النفض و التيمم بالغبار الخارج منه و توافقه رواية أبي بصير السّابقة و إليه ذهب ابن الجنيد حيث قال كل غبار علا جسما من الأجسام غير السّبخة و غير الحيوان أو كان فيه كامنا فاستخرج منه عدم وجوده مفردا جاز التيمم منه
و الظاهر اشتراط الإحساس بالغبار و النفض ليحصل ذلك عند فقده فلا يكفي الغبار الكامن من غير إحساس به و لعلّ ذلك مراد الشيخ أيضا و بهذا يمكن الجمع بين الأخبار و كلام الأصحاب فلو فرض عدم الغبار أصلا لم يجز التيمم به لأن العبرة بالغبرة
الثالث ظاهر الأكثر اشتراط فقد الأرض مطلقا أو التراب في جواز التيمم بما ذكر و ظاهر عبارة المرتضى جوازه مع وجود التراب و الأول أظهر للشك في صدق التيمم بالصّعيد عليه و لدلالة بعض الأخبار السّالفة عليه كصحيحة رفاعة و غيرها
الرابع المشهور أن التيمم بالحجر مقدم على التيمّم بالغبار و ذهب سلار إلى عكس ذلك و الأقرب الأول و وجهه يعلم بعد الإحاطة بما سلف
الخامس لو اختص بعض الأشياء المذكورة بكثرة الغبار فهل يتعين التيمم به قال الشارح الفاضل نعم و إثباته لا يخلو عن إشكال
السادس يشترط كون الغبار ممّا يجوز أن يتيمّم بمثله ذكره المرتضى و ابن إدريس و استجوده المصنف
السّابع لو لم يوجد إلا الثلج فقال المفيد فليكسر و ليتوضأ بمائه و إن خاف على نفسه من ذلك يضع باطن راحته اليمنى على الثلج و يحركه عليه باعتماد ثم يرفعها بما فيها من نداوة يمسح بها وجهه ثم يضع راحته اليسرى على الثلج و يصنع بها كما صنع باليمنى و يمسح بها يده اليمنى من مرفقه إلى أطراف الأصابع كالدهن إلى آخر ما ذكره ثم قال و إن كان محتاجا إلى التطهير بالغسل صنع به كما صنع عند وضوئه و قال الشيخ ما يقاربه
و المنقول عن علم الهدى أنه يتيمم بنداوته و إليه أومأ ابن الجنيد كما نقل عنه و هو المنقول عن سلّار و قال آخرون بسقوط الطهارة و اختار المصنف مذهب الشيخ قال المحقق في المعتبر و التحقيق عندي أنّه إن أمكن الطهارة بالثلج بحيث يكون به غاسلا فإنه يكون مقدما على التراب بل مساويا للماء في التخيير عند الاستعمال و إن قصر عن ذلك لم يكف في حصول الطهارة و كان التراب معتبرا دونه بحيث لو تيمم به مع فقد التراب أو مع وجوده لم تحصل به طهارة لأن الثلج ليس أرضا فلا يجوز التيمم به و إن كان يمكن غسل الأعضاء به فقد أمكنت الطهارة المائية فلم يجز استعمال التراب معها و لا عبرة بالدهن لأنه لا يسمّى غسلا فلا يحصل به الطّهارة الشرعية إلا أن يراد بالدهن ما يجري على العضو و إن كان قليلا و هو حسن
و بالجملة نقول إن اللّٰه تعالى أمرنا بالغسل و عند تعذره بالمسح بالأرض و يعتبر في الغسل الجريان فإذا حصل بالثلج ذلك كان مقدما على التيمم و إلا لم يصح به التوضي و لا التيمم لأنه إنما يكون بالأرض فإثبات التوضي به كما ذهب إليه الشيخ أو التيمم به كما ذهب إليه المرتضى يحتاج إلى دليل
احتج المصنف على ما اختاره بأن المتوضي أو المغتسل يجب عليه مماسة أعضاء الطهارة بالماء و إجراؤه عليها فإذا تعذر الثاني وجب الأول عند إمكانه و أيده بما رواه الشيخ في الصّحيح عن محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن الرجل يجنب في السّفر لا يجد إلا الثلج قال يغتسل بالثلج أو ماء النهر و بما رواه معاوية بن شريح قال سأل رجل أبا عبد اللّٰه ٧ و أنا عنده قال يصيبنا الدمق و الثلج و نريد أن نتوضأ فلا نجد إلا ماء جامدا فكيف أتوضأ أدلك به جلدي قال نعم
و بالأخبار الدالة على كفاية مثل الدهن في الوضوء و قول أبي جعفر ٧ إذا مسّ جلدك الماء فحبسك و قول أبي جعفر ٧ يجزيك من الغسل و الاستنجاء ما بللت يمينك و غيرها ممّا في معناها و الجواب عن الأول أن هاهنا تكليف واحد متعلق بالغسل لا تعلق له بكلّ من الإمساس و الإجراء على حدة فإذا تعذر الغسل سقط التكليف و إثبات شيء آخر بدله يحتاج إلى الدليل و عن التأييد الأول أن الجريان معتبر في الاغتسال فلا دلالة فيه على المدعى و عن التأييد الثاني بأن المراد الدّلك الذي يحصل به الجريان بقرينة قوله كيف أتوضأ جمعا بينه و بين رواية محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن الرّجل يجنب في السّفر فلا يجد إلا الثلج أو ماء جامدا قال هو بمنزلة الضرورة يتيمم و أما الأخبار الدالة على إجزاء القليل من الماء كالدّهن و ما يقارب ذلك
ففيه أنه لا يصحّ حملها على ظاهرها لمخالفتها لظاهر الآية و عمل الأصحاب و غيرها من الأخبار الدالة على وجوب الغسل و بعض الأخبار الدالة على اعتبار الجريان و بعد الاكتفاء ببل اليد مطلقا في الاستنجاء فيلزم ارتكاب التأويل فيها إما بحملها على قدر يحصل معها الجريان أو حملها على حال الضرورة و لا ترجيح للثاني على الأول فلا ينتهض بإثبات المدعى
و مع ذلك كله ينبغي أن لا يترك الاحتياط احتج المرتضى على ما نقل عنه برواية محمد بن مسلم السّابقة عن قريب و الجواب أنه يجوز أن يكون المراد التيمم بالتراب بل ذلك أقرب إذ هو المتبادر و قوله لا يجد إلا الثلج أي ممّا يصح الاغتسال به
ثم لا يخفى أن الشيخ في النهاية شرط في استعمال الثلج عدم الماء و التراب و في كتابي الأخبار أوجب استعمال الثلج فإن عجز استعمل التراب و احتج بما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر ٨ قال سألته عن الرّجل الجنب أو على غير وضوء و لا يكون معه ماء و هو يصيب ثلجا و صعيدا أيّها أفضل أ يتيمم أو يمسح بالثلج وجهه قال الثلج إذا بل رأسه و جسده أفضل فإن لم يقدر على أن يغتسل فليتيمم و فيه ضعف فإنّها محمولة على ما يحصل به الجريان بقرينة قوله فإن لم يقدر على أن يغتسل و اسم التفضيل فيها من قبيل قولهم العسل أحلى من الخل
الثامن يستحب أن يكون التيمم من ربا الأرض و عواليها على المشهور لأنها أبعد من ملاقات النجاسة و روى غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال قال أمير المؤمنين ٧ لا وضوء من موطإ قال النوفلي يعني ما تطأ عليه برجلك لكن الروايتين غير ناهضتين بتمام المدّعى
و الأولى تأخيره إلى آخر وقت الصّلاة لا نعلم قائلا معينا في عدم جواز التيمم قبل دخول وقت الغاية و نقل إجماع الفرقة عليه جماعة كثيرة منهم الفاضلان و الشهيدان و الشيخ علي و غيرهم إلا أن الشهيد في الذكرى ذكر في مبحث وجوب الغسل لغيره أو لنفسه و ربما قيل بطرد الخلاف في الطهارات كلها و هذا يدل على وجود القول بوجوب التيمم لنفسه أيضا و لو لم يثبت الإجماع المذكور أمكن المناقشة في الحكم المذكور
ثم إنهم اختلفوا في جواز التيمم في سعة الوقت على أقوال ثلاثة الأول عدم الجواز و وجوب التأخير إلى آخر الوقت و إليه ذهب الأكثرون منهم الشيخ و المرتضى و أبو الصّلاح و سلار و ابن حمزة و هو الظاهر من كلام المفيد و نقل الإجماع عليه الشيخ على ما نقل عنه و المرتضى و ابن زهرة
و قال ابن إدريس التيمم عند جميع أصحابنا إلا من شد ممّن لا يعبأ بقوله لأنه قد عرف باسمه و نسبه إنّما يجب في آخر الوقت و عند خوف فوات الصّلاة و خروج وقتها و لا يجوز أن يستعمل قبل آخره و تضييقه على وجه من الوجوه الثاني أنه يجوز في أوّل الوقت مطلقا و هو المنقول عن أبي جعفر بن بابويه
و نقله الشهيد عن ظاهر الجعفي و قواه المصنف في المنتهى و التحرير و الشهيد في البيان قال في الذكرى و الشيخ في الخلاف لم يحتج بالإجماع هنا و لعله نظر إلى خلاف الصدوق و عدم تصريح المفيد في المقنعة به و في الأركان لم يذكره و كذا ابن بابويه في الرسالة و قال البزنطي في الجامع على ما نقل عنه الشهيد لا ينبغي لأحد أن يتيمم إلا في آخر وقت الصّلاة و فيه إشعار بالاستحباب و عن ابن الجنيد جواز التقديم عند العلم أو الظن الغالب بفواته إلى آخر الوقت و استجوده المحقق في المعتبر
و اختاره المصنف في عدة من كتبه لكن إنّما قيد بالعلم و لم يذكر الظن و إليه يومئ كلام ابن أبي عقيل و الأوسط لا يخلو عن قوة و يدل على نفي القول الأول قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ إلى قوله سبحانه فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً أمر سبحانه كل مريد للصلاة عند عدم وجدان الماء بالتيمم و من سعى في تحصيل الماء و لم يجده صدق عليه أنه غير واجد للماء مريد للصلاة سواء كان في ضيق الوقت أم لا فصح له التيمم و أجاب عنه المرتضى في الانتصار بأن الاستدلال بهذه الآية يتوقف على إثبات أن للمكلّف أن يريد الصّلاة في أوّل الوقت و نحن نخالف فيه و نقول ليس له ذلك و فيه نظر لأنه لو سلم تحريم الإرادة في أوّل