ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٧١
تضع فيه فقال لأنّ الحائض تستطيع أن تضع ما في يدها في غيره و لا تستطيع أن تأخذ ما فيه إلا منه
و تحرم على الحائض قراءة العزائم هذا الحكم متفق عليه بين أصحابنا و قد مرّ ما يدل عليه من الأخبار في أحكام الجنابة و كذا أبعاضها و لو فرض منها قراءة سورة السّجدة و أتمت وجب عليها السّجود و أشار إليه المصنف بقوله فتسجد لو تلت إحدى السجدات أو استمعت من غيرها و لا تحريم فيه و البحث هنا في مواضع
الأول المشهور بين الأصحاب أن الحائض إذا استمعت السّجدة تسجد و لا يحرم عليه و ذهب الشيخ إلى أنه يحرم عليها السّجود بناء على أنّه يشترط في السّجود الطهارة من النجاسات و ادّعى في ذلك عدم الخلاف و الأقرب جواز السّجود لها و عدم التحريم لإطلاق الأدلة و ما رواه الشيخ عن أبي عبيدة الحذاء في الموثق و الكليني عنه في الصّحيح قال سألت أبا جعفر ٧ عن الطامث تسمع السّجدة قال إن كانت من العزائم فلتجسد إذا سمعتها
و عن أبي بصير في الموثق عن أبي عبد اللّٰه قال إن صليت مع قوم فقرأ الإمام اقرأ باسم ربّك إلى أن قال و الحائض تسجد إذا سمعت السّجدة و عن أبي بصير في الضعيف قال قال إذا قرئ شيء من العزائم الأربعة فسمعتها فاسجد و إن كنت على غير وضوء و إن كنت جنبا و إن كانت المرأة لا تصلّي و سائر القرآن أنت فيه بالخيار إن شئت سجدت و إن شئت لم تسجد و نقل الشيخ الرواية الأولى و حملها على الاستحباب مع أنه حكم بالمنع و قال لا يجوز إلا لطاهر من النجاسات بلا خلاف
الثاني هل السجود عليها على سبيل الوجوب أم لا الأكثر على الأول و بعضهم على الثاني و هو قول الشيخ ره و عندي في المسألة تردد حجة المشهور إطلاق الأدلة و حجة الشيخ ما رواه عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه في الصّحيح أو الموثق عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال سألته عن الحائض هل تقرأ القرآن و تسجد سجدة إذا سمعت السّجدة قال تقرأ و لا تسجد و الشيخ جمع بين هذه الرّواية و روايتي أبي بصير بحمل الروايتين على الاستحباب و حمل هذه على الجواز و هو غير بعيد
و أجاب المصنف عن هذه الرواية في المختلف باستضعاف السند و بالحمل على المنع من قراءة العزائم قال و كأنّه ٧ قال تقرأ القرآن و لا تسجد أي لا تقرأ العزيمة التي تسجد لها و إطلاق المسبب على السّبب مجازا جائز و هو بعيد جدا و أجاب عنه جماعة من المتأخرين بالحمل على السجدات المستحبة بدليل قوله تقرأ و لا يخلو عن بعد و الدلالة منتفية
و بالجملة الوجه في تأويل الخبر المذكور أحد الأمرين ممّا ذكره الشيخ و المتأخرون و ترجيح أحدهما على الآخر بوجه واضح يصلح للاعتماد غير ظاهر و إن كان تأويل الشيخ لا يخلو عن رجحان ما إلا أنّ مجرّد ذلك لا يكفي لتخصيص إطلاقات الأدلة تأمّل فالمسألة محل الإشكال
الثالث على تقدير القول بالوجوب هل يختص بالإصغاء و الاستماع أو يعمّ السّماع من غير قصد فيه قولان و لا يختص هذا الخلاف بالحائض بل عام لها و لغيرها و إلى القول الأول ذهب المحقق و هو ظاهر اختيار المصنف و إليه ذهب الشيخ في الخلاف مدّعيا عليه إجماع الفرقة و إلى القول الثاني ذهب ابن إدريس مدّعيا عليه الإجماع
حجة الأول ما رواه الشيخ عن عبد اللّٰه بن سنان قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن رجل سمع السّجدة قال لا يسجد إلا أن يكون منصتا لقراءته مستمعا لها أو يصلّي بصلاته فإما أن يكون في ناحية و أنت في أخرى فلا تسجد إذا سمعت و في طريق هذه الرواية محمّد بن عيسى عن يونس و فيه كلام يوجب التوقف و حجة القول الآخر عمومات الأدلة و استضعاف الخبر المذكور و المسألة عندي محل التردد
و يحرم على زوجها وطؤها فيعزر
اتفق العلماء على تحريم وطء الحائض قبلا بلا خلاف في ذلك بينهم بل نقل عن جماعة منهم التصريح بكفر مستحل ذلك إلا أن يدّعي في ذلك شبهة محتملة و قد صرّح بذلك الشارح الفاضل و لا ريب في أن من فعل ذلك فقد فعل محرما و تدل عليه الآية و الأخبار الدالة عليه مستفيضة و كذا لا ريب في أنّ فاعل ذلك يستحق التعزير بما يراه الحاكم مع علمه بالحيض و حكمه و يحكى عن أبي عليّ بن الشيخ أبي جعفر ره تقديره بثمن حد الزاني و مستنده في ذلك غير معلوم و إن جهل الحيض أو نسيه فلا شيء عليه و إن جهل الحكم فقد صرّح غير واحد من الأصحاب بأنه لا شيء عليه و للتأمّل فيه مجال
و إن اشتبه الحال فإن كان لتحيّرها فقد مر حكمه و إن كان لغير ذلك كما في الزائد على العادة فالإباحة تقتضي الجواز مضافا إلى الأخبار السّابقة في حكم المعتادة وضع المصنف في المنتهى عن الوطء في صورة استمرار الدم تغليبا لجانب التحريم و لو أخبرت المرأة بالحيض فالظاهر وجوب القبول عند عدم التهمة لما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر ٧ أنه قال العدة و الحيض إلى النساء و روى الكليني و الشيخ عنه عن زرارة في الحسن عن أبي جعفر ٧ أنه قال العدّة و الحيض إلى النّساء إذا ادعت صدقت و روى الشيخ بإسناد معتبر عن عبد اللّٰه بن المغيرة عن إسماعيل بن أبي زياد و هو ضعيف عن جعفر عن أبيه ٨ أن أمير المؤمنين ٧ قال في امرأة ادّعت أنّها حاضت في شهر واحد ثلاث حيض فقال كلفوا نسوة من بطانتها إن حيضها كان فيما مضى على ما ادّعت فإن شهدن صدقت و إلا فهي كاذبة قوله ٧ من بطانتها أي من أهلها و خاصتها استعارة من بطانة الثوب
و حمل الشيخ هذا الخبر على صورة تكون المرأة متهمة قال بعض العلماء و مفاد الحديث على تقدير العمل به أخصّ ممّا ذكره الشيخ إذ الدعوى فيه مخالفة للعادة الجارية قليلة الوقوع
و استدل بعضهم على قبول قول المرأة في الحيض بقوله تعالى وَ لٰا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ و لو لا وجوب القبول لما حرّم الكتمان و فيه تأمّل و لو ظنّ كذبها قيل لا يجب القبول و هو قول الشارح الفاضل و قيل يجب و اختاره المصنف في النهاية و الشهيد في الذكرى و يدلّ عليه عموم الرّواية و لو اتفق الحيض في أثناء الوطء وجب النزع فإن استدام فكالمبتدي و يجب على المرأة الامتناع فتعزر لو طاوعته لكن لا كفارة عليها بالاتفاق
و يستحبّ الكفّارة
في أوله بدينار و في أوسطه بنصفه و في آخره بربعه الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في أن الكفارة على الواطي على سبيل الرجحان و إنّما اختلفوا في وجوبها و استحبابها فذهب المفيد و المرتضى و ابنا بابويه و الشيخ في الخلاف و المبسوط إلى الوجوب و ذهب الشيخ في النهاية إلى الاستحباب و اختاره أكثر المتأخرين و هو الأقرب لما رواه الشيخ عن عيص بن القاسم في الصّحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن رجل واقع امرأته و هي طامث قال لا تلتمس فعل ذلك قد نهى اللّٰه أن يقربها قلت فإن فعل أ عليه كفارة قال لا أعلم فيه شيئا يستغفر اللّٰه
و عن زرارة في الموثق عن أحدهما ٨ قال سألته عن الحائض يأتيها زوجها قال ليس عليه شيء يستغفر اللّٰه و لا يعود احتج القائلون بالوجوب بالأخبار الدالة على الكفارة و الجواب أنّها محمولة على الاستحباب جمعا بين الأدلة على أن الأخبار الواردة بالكفارة مختلفة و فيه تأييد للاستحباب ففي بعضها أنه يتصدق بدينار و في بعضها أن عليها نصف دينار و في بعضها أنه يتصدق على مسكين بقدر شبعه و في بعضها التفصيل المشهور و التفصيل بالفرق بين المضطر و غيره أو الشباب و غيره كما قاله الراوندي لا عبرة به
الثاني ما ذكره المصنف من التقدير و هو المعروف بين الأصحاب ذهب إليه الثلاثة و أتباعهم و إليه ذهب ابن بابويه في الفقيه و قال في المقنع يتصدّق على مسكين بقدر شبعه و جعل ما ذكره الثلاثة رواية
و مستند المشهور ما رواه الشيخ عن داود بن فرقد في الضّعيف عن أبي عبد اللّٰه ٧ في كفارة الطّمث أنه يتصدق إذا كان في أوّله بدينار و في أوسطه نصف دينار و في آخره ربع دينار قلت فإن لم يكن عنده ما يكفر قال فليتصدق على مسكين واحد و إلا استغفر اللّٰه و لا يعود فإن الاستغفار توبة و كفارة لمن لم يجد السبيل إلى شيء من الكفارة و على هذه الرواية حملوا الأخبار الواردة مطلقا بالتصدق بدينار و نصف دينار و عندي أن حملها على التخيير أقرب
و اعلم أن الأخبار الواردة في هذا الباب لم يبلغ شيء منها حدّ الصحّة لكنها معتبرة عند الأصحاب معمولة بينهم فالعمل عليها صحيح متجه قال المحقق في المعتبر لا يمنعنا ضعف طريقها عن تنزيلها على الاستحباب لاتفاق الأصحاب على اختصاصها بالمصلحة الراجحة إما وجوبا أو استحبابا فنحن بالتحقيق عاملون بالإجماع لا بالرّواية
الثالث المشهور بين الأصحاب أن المعتبر في الأول و الوسط و الآخر اعتبار عادة المرأة فالأول لذات الثلاثة اليوم الأول و هكذا و لذات الأربعة هو مع ثلث الثاني و لذات الخمسة مع ثلثيه و على هذا القياس و عن سلّار أن الوسط ما بين الخمسة إلى السّبعة و عن الراوندي اعتبار العشرة دون العادة و هما ضعيفان
الرابع لا فرق في الزوجة بين الدائمة و المنقطعة الحرة و الأمة لعموم الأدلة و هل يلحق بالأجنبية المشتبهة و المزني بها في الكفارة فيه وجهان و يشهد للإلحاق ما رواه الشيخ بإسناد لا يبعد أن يعد موثقا عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال من أتى حائضا فعليه نصف دينار لعموم الرواية و لو وطئ أمته تصدق بثلاثة أمداد قاله الشيخ و الصدوق استنادا إلى بعض الروايات المعتبرة أنه يتصدق على عشرة مساكين و لا فرق حينئذ بين أوّل الحيض و وسطه و آخره
الخامس مصرف هذه الكفارة الفقراء و المساكين من أهل الإيمان على ما صرح به جماعة من الأصحاب و لا يعتبر التعدد بل يكفي الواحد
السادس قالوا المراد بالدّينار المثقال من الذهب الخالص قال في الذكرى قدر الشيخان الدينار بعشرة دراهم و الخبر خال منه و في أجزاء القيمة تردد و كذا في اشتراط كونه مضروبا
السّابع ذكر جماعة من الأصحاب أن النفساء في الأحكام المذكورة كالحائض غير أنه يمكن اجتماع زمانين أو ثلاثة في وطء النفساء و في تعدد الكفارة حينئذ نظر
الثامن هل يتكرر الكفارة بتكرر الموجب فيه أقوال
الأول التكرر مطلقا
الثاني عدمه مطلقا
الثالث تكرره إن اختلف الزمان كما إذا كان بعضه في أوّل الحيض و بعضه في وسطه أو تخلل التكفير و هو أقرب و اختاره المصنف و الشهيد (رحمهما اللّٰه) بناء على عدم التكرر