ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٦٠
طرف من ذلك و روى الشيخ عن معاوية بن عمّار في الصّحيح قال سمعت أبا عبد اللّٰه ٧ يقول كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)يغتسل بصاع و إذا كان معه بعض نسائه يغتسل بصاع و مدّ
و روى الكليني عن محمّد بن مسلم في الصّحيح عن أحدهما ٨ قال سألته عن وقت غسل الجنابة كم يجزي من الماء فقال كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)يغتسل بخمسة أمداد بينه و بين صاحبته و يغتسلان جميعا من إناء واحد إلى غير ذلك من الأخبار و يستفاد من صحيحة الفضلاء أن ماء إنقاء الفرج داخل في صاع الغسل و يحرم التولية في الغسل بأن يصب الماء غيره لتعلق الأمر به فيجب أن يأتي بالمأمور به بنفسه و المنقول عن ظاهر ابن الجنيد جواز ذلك و هو ضعيف
و يكره الاستعانة
فيه نحو صبّ الماء على اليد لتغسل و قد مر تحقيقها في مبحث الوضوء فروع
الأوّل قال جماعة من الأصحاب باستحباب غسل كل عضو ثلاثا لما فيه من الإسباغ و دلالة الصّاع عليه و الأولى الاستدلال عليه بالمساواة بينه و بين غسل الميّت كما يستفاد من بعض الأخبار المعتبرة مع ثبوت التثليث في غسل الميّت و قد دل الأخبار هاهنا على تثليث الصبّ على الرأس و في بعضها ثم ليصب على رأسه ثلاث مرات ملء كفيه و في بعضها ثم تصبّ على سائر جسدك مرتين و هذا لا ينافي استحباب التثليث لجواز أن يكون ذلك إشارة إلى بيان الواجب و يكون المراد من الغسل مرتين إشارة إلى غسل اليمين و اليسار و أن يكون الغسل مرتين مستحبا و يكون التثليث آكد و الثاني أقرب بقرينة المقابلة لقوله ٧ تصب على رأسك ثلاثا قال في الذكرى و ابن الجنيد حكم بغسل الرأس ثلاثا و اجتزأ بالدهن في البدن قال و لا اختار إيثار ذلك مع إمكان الماء
و استحب ابن الجنيد أيضا للمرتمس ثلاث غوصات تخلل شعره و يمسح سائر جسده عقيب كل غوصة قال في الذكرى و لا بأس به لما فيه من صورة التكرار ثلاثا حقيقة و فيه تأمّل
الثاني عد جماعة من الأصحاب من المندوبات الموالاة و هو حسن لما فيه من المبادرة إلى الطاعة و المسابقة إلى المغفرة قيل و للتحفظ من طريان المفسد لأن المعلوم من صاحب الشرع و ذريته المعصومين ذلك
الثالث يستحبّ الدّعاء لما رواه محمد بن مروان عن أبي عبد اللّٰه ٧ يقول في غسل الجمعة اللّٰهمّ طهر قلبي من كل آفة تمحق ديني و تبطل عملي و يقول في غسل الجنابة اللّٰهمّ طهر قلبي و زك عملي و اجعل ما عندك خيرا لي اللّٰهمّ اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين و في المصباح تقول عند الغسل اللّٰهمّ طهرني و طهر قلبي و اشرح لي صدري و أجر على لساني مدحتك و الثناء عليك اللّٰهمّ اجعله لي طهورا و شفاء و نورا إنك على كل شيء قدير و قال المفيد إذا فرغ من غسله فليقل اللّٰهمّ طهر قلبي إلى آخر ما مر قال في الذكرى
و لعلّ استحباب ثواب الدّعاء للغسل شامل حال الاغتسال و بعده قال ابن بابويه من اغتسل للجمعة فقال أشهد أن لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له و أشهد أن محمّدا عبده و رسوله اللّٰهمّ صلّ على محمّد و آل محمد و اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين كان طاهرا من الجمعة إلى الجمعة
الرابع قال في الذكرى الأقرب استحباب غسل المسترسل من الشعر لدلالة فحوى خبر من ترك شعرة من الجنابة عليه و هذا إشارة إلى ما روى الشيخ عن حجر بن زائدة في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال من ترك شعرة من الجنابة متعمدا فهو في النّار
الخامس حكم المصنف باستحباب تخليل المعاطف و الغضون و منابت الشعر و الخاتم قبل إفاضة الماء للغسل ليكون أبعد من الإسراف و أقرب إلى ظنّ وصول الماء قال في الذكرى و قد نبه عليه قدماء الأصحاب
السّادس عدّ المصنف البدأة بغسل ما على جسده من الأذى و النجاسة من المستحب و كأنه حمل الأمر الوارد بذلك على الاستحباب بقرينة المعطوف عليه و فيه تأمّل
السابع لا يجب الترتيب في نفس العضو للأصل و ظاهر إطلاق النّصوص و هل يستحب غسل الأعلى فالأعلى قال في الذكرى الظاهر نعم لأنه أقرب إلى التحفظ من النسيان و لأن الظاهر من صاحب الشرع فعل ذلك
الثامن لا يستحبّ تجديد الغسل للأصل و الاقتصار على مورد النصّ في الوضوء و لو أحدث المغتسل في أثنائه أي أثناء الغسل بما أي بحدث يوجب الوضوء أعاده أي الغسل و في هذه المسألة أقوال ثلاثة
الأول إعادة الغسل كما اختاره المصنف و هو مذهب الشيخ و ابني بابويه و اختاره الشهيدان
الثاني وجوب الإكمال و الوضوء خاصّة و هو مذهب المرتضى و المحقق و اختاره جماعة من المتأخرين
الثالث الاكتفاء بمجرّد الإكمال و هو مذهب ابن البراج و ابن إدريس و اختاره الشيخ علي و لا يخلو عن قوة و يدل عليه قوله تعالى وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا وجه الاستدلال أنه سبحانه عنى المنع عن مقاربة الصّلاة إلى غاية حصول الاغتسال فبعد حصوله لم يكن جواز الصّلاة متوقفا على شيء آخر تحقيقا لمعنى الغاية و وجوب مخالفة ما بعد الغاية لما قبلها و لما رواه الشيخ عن يعقوب بن يقطين في الصحيح عن أبي الحسن ٧ قال سألته عن غسل الجنابة هل فيه وضوء أم لا فيما نزل به جبرئيل ٧ فقال الجنب يغتسل يبدأ إلى أن قال ثم قد قضى الغسل و لا وضوء عليه
وجه الاستدلال بهذا الحديث أنّ من أحدث في الأثناء ثمّ أتم الغسل كما وصف ٧ صدق عليه أنه قد قضى الغسل و لا وضوء عليه و بالجملة كلامه ٧ في قوة قولنا من فعل كذلك فقد قضى الغسل و لا وضوء عليه و المحدث في الأثناء داخل في الموضوع فيكون داخلا في المحمول أيضا إذ التخصيص خلاف الأصل
لا يقال الأخبار الدالة على أن الحدث يوجب الوضوء عام خرج منه الأحداث الواقعة قبل الاغتسال بالأدلّة فتكون الأحداث الواقعة في أثنائه داخلة في عموم الأخبار المذكورة
لأنا نقول محصّل ما يستفاد من تلك الأخبار يرجع إلى قضية هي قولنا كل من أحدث حدثا أصغر وجب عليه الوضوء و محصّل هذا الخبر الذي احتججنا به إلى قضية أخرى هي قولنا كلّ من اغتسل من الجنابة و فرغ منه لم يجب عليه الوضوء حينئذ و النّسبة بينهما عموم من وجه فإمّا أن يخصّص الأول الثاني أو الأمر بالعكس لا وجه للأول لأنه على هذا التقدير يرجع محصّل القضية الثانية إلى قولنا كل من اغتسل من الجنابة لم يجب عليه الوضوء إلا أن يصدق عليه أنه أحدث حدثا أصغر و هو خلاف الإجماع و خلاف ما علم من الكتاب و الأخبار
و فيه مناقشة دقيقة يندفع بالتأمّل الصادق نعم لو كان خبر خاص يخصّصه بإخراج محلّ النزاع لم يكن مخالفا للإجماع و كان صحيحا و ليس فليس نعم يرد عليه ما أشرنا إليه سابقا من أن النظر في الأخبار الواردة عنهم : إنّما يكون مقصورا على الأفراد الشائعة الغالبة لا الأفراد النادرة التي لا يتبادر إليه الأذهان
و يدلّ عليه أيضا قول الصادق ٧ في صحيحة زرارة ليس قبله و لا بعده وضوء وجه الاستدلال قريب من السّابق و بالجملة يصح تقسيمه إلى قولنا سواء أحدث في الأثناء أم لا و ذلك آية العموم و يرد عليه ما أشرنا إليه و قول الصادق ٧ في موثقة عمار السّاباطي و قد سئل عن الرّجل إذا اغتسل من جنابته أو يوم جمعة أو يوم عيد هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده فقال لا ليس عليه قبل و لا بعد قد أجزأه الغسل الحديث
و يؤيده في الجملة قوله ٧ في بعض الأخبار الصّحيحة الغسل يجزي عن الوضوء و أي وضوء أطهر من الغسل و بعض الأخبار الدالة على أن الوضوء بعد غسل الجنابة بدعة و النظر الذي أشرنا إليه يتطرق إلى الكلّ و ذكر بعض الأصحاب أن الصدوق روى في كتاب عرض المجالس عن الصّادق قال لا بأس بتبعيض الغسل تغسل يدك و فرجك و رأسك و تؤخر غسل جسدك إلى وقت الصّلاة ثم تغسل جسدك إذا أردت ذلك فإن أحدثت حدثا من بول أو غائط أو ريح أو مني بعد ما غسلت رأسك من قبل أن تغسل جسدك فأعد الغسل من أوّله و لو صح هذا الحديث لتعيّن العمل به لكن سنده غير معلوم حجة الفريق الأول وجوه أقواها وجهان
الأول ما ذكره المصنف في النّهاية و هو أن الحدث الأصغر لو تعقب كمال الغسل أبطل حكم الاستباحة ففي أبعاضه أولى فلا بد من تجديد طهارة لها و هو الآن جنب إذ لا يرتفع إلا بكمال الغسل فيسقط اعتبار الوضوء و الجواب منع الأولوية بل نقول القدر المسلم أن الحدث الأصغر إذا لم يجامع الأكبر فهو سبب لوجوب الوضوء و إذا جامع الأكبر فلا تأثير له أصلا لا بد لذلك من دليل أ لا ترى أنه بعد الغسل يقتضي الوضوء و في الأثناء لا يقتضيه عندكم فلم لا يجوز أن لا يؤثر في الأثناء أصلا و يؤثر تأثيرا يرتفع ببعض الغسل لا بد لنقضه من دليل و قريب منه كلام الشهيد في الذكرى حيث رجح مذهب المصنف لامتناع الوضوء في غسل الجنابة و امتناع خلو الحدث عن أثر هنا مع تأثيره بعد الكمال و جوابه يظهر ممّا فردنا
الثاني ما ذكره الشارح الفاضل و هو أن غسل الجنابة يرفع أثر الحدث الأكبر و الأصغر على تقدير وجوده قبل الغسل فهو مؤثر تام لرفعهما معا فكل جزء منه مؤثر ناقص في رفعهما بمعنى أن له صلاحية التأثير و لهذا لو أخل بلمعة يسيرة من بدنه لم يرتفع الحدث أصلا لأن كمال التأثير موقوف على كل جزء من الغسل فإذا فرض عروض حدث أصغر في أثنائه فلا بد لرفعه من مؤثر تام و هو إما الغسل بجميع أجزائه كما قررناه أو الوضوء و الثاني منتف في غسل الجنابة للإجماع على عدم مجامعة الوضوء الواجب له و ما بقي من أجزاء الغسل ليس مؤثرا تاما لرفعه فلا بد من إعادته من رأس
و الجواب أنا لا نسلم أن غسل الجنابة يرفع أثر الحدث الأصغر إذ لا نسلم أن الحدث الأصغر إذا جامع الجنابة يكون له أثر يحتاج إلى رافع و لا دليل عليه إذ لا يستقل العقل بالحكم عليه و لا إجماع فيه إنما الإجماع على أن الأحداث إذا حصلت مع عدم مجامعتها للجنابة كانت سببا لوجوب الوضوء