ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٥٧
مضافا إلى الإجماع من الأصحاب ما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال و لو أن رجلا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك و إن لم يدلك جسده و عن الحلبي في الحسن قال سمعت أبا عبد اللّٰه ٧ يقول إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله
و روى الصّدوق عن الحلبي قال حدثني من سمعه يقول إذا اغتمس الجنب في الماء اغتماسة واحدة أجزأه ذلك و نقل الشيخ ره في المبسوط عن بعض الأصحاب أنه يترتب حكما قال الشهيد في الذكرى و ما نقله الشيخ يحتمل أمرين أحدهما و هو الذي عقله عنه الفاضل أنه يعتقد الترتيب حال الارتماس
و يظهر ذلك من كلام المعتبر حيث قال و قال بعض الأصحاب يترتب حكما فذكره بصيغة الفعل المتعدي و فيه ضمير يعود إلى المغتسل ثم احتج بأن إطلاق الأمر لا يستلزم الترتيب و الأصل عدم وجوبه الثاني أن الغسل بالارتماس في حكم الغسل المرتب بغير الارتماس
و تظهر الفائدة لو وجد لمعة مغفلة فإنه يأتي بها و بما بعدها و لو قيل يسقط الترتيب بالمرّة أعاد الغسل من رأس لعدم الوحدة المذكورة في الحديث و فيما لو نذر الاغتسال مرتبا فإنه يبرأ بالارتماس لا على معنى الاعتقاد المذكور لأن ذكره بصورة اللازم المسند إلى الغسل أي بترتب الغسل في نفسه حكما و إن لم يترتب فعلا و صرّح بذلك الشيخ في الإستبصار فقال المرتمس يترتب حكما و إن لم يترتب فعلا لأنه إذا خرج من الماء حكم أولا بطهارة رأسه ثم جانبه الأيمن ثم جانبه الأيسر و التحقيق أن الترتيب الحكمي بمعانيه لا وجه له إذ لا دليل عليه عقلا و لا نقلا إنما المعلوم من الأخبار الاجتزاء في الغسل بارتماسة واحدة و سقوط الترتيب فيه مطلقا و إثبات أمر آخر يحتاج إلى دليل و للمتأخرين في هذا المقام أبحاث كثيرة أظنها قليل الجدوى في أمر الدين تركتها لذلك
و اعلم أن ما دل على جواز الارتماس مختص بغسل الجنابة و صرّح به الشهيد في الذكرى لكنه قال لم يفرق أحد بينه و بين غيره من الأغسال فإن لم يثبت ما ذكره من الإجماع كان انسحاب الحكم المذكور في غير الجنابة مطلقا محلّ التأمّل نعم يدل على إلحاق غسل الحيض به ما دلّ على اتحادهما و كذا غسل الميّت فتدبر فروع
الأول ألحق جماعة منهم ابن الجنيد على ما حكي عنه بالارتماس في الماء الوقوف تحت المطر في سقوط الترتيب و ألحق الشيخ في المبسوط القعود تحت المجرى أيضا و في التذكرة طرد الحكم في ماء الميزاب و شبهه و اختاره الشارح الفاضل و عن بعض الأصحاب أنه ألحق صب الإناء الشامل للبدن أيضا قال الشهيد و هو لازم للشيخ ره و كأنه بناء على أن الشيخ صرّح بإلحاق المجرى مع أنه ليس في الرواية
و هذا يدل على أنه تعدى عن مورد النص إلى ما يشبهه في المعنى فيكون الحكم منسحبا في الكل و ابن إدريس بالغ في منع إجراء غير الارتماس مجراه اقتصارا على محل الوفاق و تحصيلا للبراءة اليقينية و اختاره المحقق و الشهيد و الشيخ علي و هو أقرب بناء على اعتبار ما دل على وجوب الترتيب في غسل الجنابة لعموم دلالته على اعتبار الترتيب إلا ما أخرج بالأخبار المختصة بالارتماس في الماء فيكون غيره داخلا في العموم
و استدل على سقوط الترتيب في شبه الارتماس بوجهين الأول أنه مساو للارتماس في وحدة شمول الماء عرفا و بما رواه الشيخ عن علي بن جعفر في الصحيح عن أخيه موسى بن جعفر ٨ قال سألته عن الرّجل هل يجزيه من غسل الجنابة أن يقوم في القطر حتى يغسل رأسه و جسده و هو يقدر على ما سوى ذلك قال إن كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه ذلك
وجه الاستدلال أن كاف التشبيه إن كان التشبيه مقدرة في قوله ٧ إن كان يغسله اغتساله بالماء أو نقدر مصدرا موصوفا تقديره إن كان يغسله غسلا مساويا اغتساله فالغسل بالمطر إذا كان مساويا بقسم من قسمي الاغتسال بالماء كان مجزيا فإذا كان الماء غزيرا بحيث يحصل الغسل دفعة واحدة عرفيّة صدق عليه أنه يغسله غسلا مساويا للاغتسال بالماء لمساواته لأحد نوعيه و هو الارتماسي فيكون مجزيا كالارتماس من غير ترتيب
و في الوجهين نظر أما في الأول فلأن مجرد الاشتراك في وصف لا يقتضي المشاركة في جميع الأحكام و كون مناط الإجزاء وحده شمول الماء عرفا ممنوع و أما في الثاني فلأنا لا نسلم أنه يحصل بماء المطر الغسل دفعة واحدة إذ من المعلوم حصول التراخي
لا يقال ليس الواجب الدفعة الحقيقية بل الواجب الدفعة العرفية لأن التراخي في زمان يحصل تخليل الشعر الكثيف أو يصل الماء إلى مكاسر الجلد أو عكن بطن السّمين غير قادح فيكون التراخي في زمان قليل حتى يصل ماء المطر إلى جميع الأعضاء غير قادح أيضا
لأنا نقول القدر الثابت أن التراخي في زمان يصل الماء إلى أمثال ما ذكرتم ممّا لا يحصل الانفكاك منه غالبا غير ضار لا مطلق التراخي و بالجملة التراخي المعلل بهذه الأشياء الضرورية إذا لم يخل لم يلزم عدم إخلال مطلق التراخي سلّمنا لكنّ المراد بالمساواة و المماثلة ما كانت من جميع الجهات على ما هو المستفاد من سياق مثل هذا الكلام لا في الجملة و الارتماس في الماء يخالف الاغتسال في المطر من حيث إن الأول دخول في الماء و اغتماس و نزول فيه بحيث يغطيه الماء دون الأخير فلا تكون المماثلة التامة حاصلة على أن تعميم الخبر بالنسبة إلى الفرد النادر الذي نشك في أنه هل يوجد أم لا خلاف ما ينساق الأذهان إليه مع أنه على تقدير تمامه لا يجري في غير المطر فالاستدلال به على شبه الارتماس مطلقا محل النظر
قال المحقق بعد نقل الخبر المذكور و هذا الخبر مطلق ينبغي أن يقيد بالترتيب في الغسل و هو حسن و بهذا الخبر استدل بعضهم كما نقل في المختلف على أن الترتيب الحكمي معتبر في الارتماسي و هو ضعيف جدا
الثاني لو أخل بالترتيب يجب الإعادة على ما يحصل معه الترتيب و لا يقدح عند الأصحاب عدم الموالاة لكونه غير معتبر في غسل الجنابة لما رواه الكليني و الشيخ عنه عن حمّاد بن عيسى في الحسن و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه عن إبراهيم بن عمر اليماني و ظاهر النجاشي توثيقه و ضعفه ابن الغضائري
و لكن الاعتماد على النجاشي أكثر عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال إنّ عليّا ٧ لم ير بأسا أن يغسل الجنب رأسه غدوة و يغسل سائر جسده عند الصّلاة و في صحيحة حريز السّابقة في مبحث موالاة الوضوء قال قلت و كذلك غسل الجنابة قال هو بتلك المنزلة و ابدأ بالرأس ثم أفض على سائر جسدك قلت و إن كان بعض يوم قال نعم و قضية أم إسماعيل المنقولة بطريق صحيح تدلّ عليه أيضا فلو بقي لمعة من جسده لم يصلها الماء أجزأه غسله إن كان في الأيسر و كذلك إذا كان في الأيمن لكن تجب إعادة الأيسر بناء على وجوب تحصيل الترتيب
و روى الكليني عن عبد اللّٰه بن سنان في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال اغتسل أبي من الجنابة فقيل له قد أبقت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء فقال ما كان عليك لو سكت ثم مسح تلك اللمعة بيده و رواه عن أبي بصير أيضا و روى الشيخ عن إبراهيم بن أبي محمود في الصحيح قال قلت للرّضا ٧ الرّجل يجنب فيصيب جسده و رأسه الخلوق و الطيب و الشيء اللزق مثل علك الروم و الظرب و ما أشبهه فيغتسل فإذا فرغ وجد شيئا بقي في جسده من أثر الخلوق و الطيب و غيره قال لا بأس و ظاهر الرّواية عدم وجوب غسل ما بقي عليه أثر الخلوق و لو اغتسل غير المرتب كالمرتمس ثم وجد تلك اللمعة ففي وجوب الإعادة نظر
قال في المنتهى و كان والدي يذهب إلى الوجوب لأن المأخوذ عليه الارتماس دفعة واحدة بحيث يصل الماء إلى سائر الجسد في تلك الدفعة و من المعلوم عدم الإجزاء مع عدم الوصول ثم قال و يمكن أن يقال بالإجزاء مع غسل تلك اللمعة لأن الترتيب سقط في حقه و قد غسل أكثر بدنه و أجزأه لقول أبي عبد اللّٰه ٧ فما جرى عليه الماء فقد أجزأه قال و في الأول قوة و اختار في القواعد عدم وجوب الإعادة و بعضهم فصل فقال إن طال الزمان وجب الإعادة و إلا كفى غسل اللمعة و يمكن أن يقال حصل الاغتماس في الماء فيكون مجزيا لمقتضى الخبر إذ ليس فيه التقييد بوصول الماء إلى كل جزء بحيث يقدح فيه تخلف النادر من غير تعمد فلم يكن عليه إلا غسل تلك اللمعة
الثالث قال الشيخ في المبسوط و إن كان على بدنه نجاسة أزالها ثم اغتسل فإن خالف و اغتسل أولا فقد ارتفع حدث الجنابة و عليه أن يزيل النجاسة إن كانت لم تزل و إن زالت بالاغتسال فقد أجزأه عن غسلها و رده جماعة من المتأخرين فاشترطوا طهارة المحل في صحّة الغسل و أن الغسلة الواحدة لا تكفي لإزالة النجاسة الحكمية و العينية لأن اختلاف السّبب يقتضي تعدد المسبب و لانفعال الماء القليل بالنجاسة و ماء الغسل يشترط فيه الطهارة إجماعا
و فيه نظر لأنا لا نسلّم أن اختلاف السّبب عن السبب الآخر لأن مقتضى التكليف وجوب المسبب عند حصول السّبب أما كونه شيئا مغايرا للأمر المسبب يقتضي تعدد المسبب الآخر فتكليف زائد يحتاج إلى دليل و الأصل عدمه فظهر أن ما يقال من أن الأصل عدم التداخل ضعيف و أما الوجه الثاني فإتمامه يحتاج إلى إثبات أن ماء الغسالة ينجس قبل الانفصال عن المحلّ و مع ذلك لا يجري في نجاسته يكون في آخر البدن
و يمكن الاستدلال على اشتراط طهارة المحل بقول أبي عبد اللّٰه ٧ في صحيحة حكم بن حكيم في بيان غسل الجنابة ثم اغسل ما أصاب جسدك من أذى ثم اغسل فرجك و أفض على رأسك و يؤيده قول أبي الحسن ٧ في صحيحة يعقوب يقطين