ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٩
قوله٧و إن كان دما ليست بصفرة فلتمسك عن الصّلاة أيام قرئها ثم لتغتسل و لتصلّ
و في صحيحة حسين بن نعيم الصحاف فإن انقطع الدمّ عنها قبل ذلك فلتغتسل و لتصلّ و في صحيحة معاوية بن عمّار فإذا جازت أيامها و رأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر و العصر إلى قوله و إن كان الدّم لا يثقب الكرسف توضأت و دخلت المسجد و صلت كلّ صلاة بوضوء و قوله٧في صحيحة علي بن يقطين فإذا رق و كانت صفرة اغتسلت و صلّت و في صحيحة صفوان تغتسل و تستدخل قطنة و تجمع بين صلاتين بغسل إلى غير ذلك من الأخبار
و مما يؤيد ذلك كثير من الأخبار الواردة في بيان صلوات الحوائج و غيرها من الصّلوات المرغبان التي استحب لها الغسل فقد ذكر فيها أنّها تغتسل و تصلي من غير ذكر للوضوء مع أنه يستفاد من سياقها لزوم البيان لو كان الوضوء لازما
و ممّا يؤيّد ذلك الأخبار الواردة في أنّ غسل الحيض مثل الجنابة و أنهما واحد و لعلّه يجيء شيء منها في محله و بمثله استدل المصنف على عدم وجوب الوضوء مع غسل الميّت و بمثله استدل الشيخ على ذلك أيضا و أجاب بأن الوضوء معلوم بدليل آخر
و يؤيّده الخبر الدال على كون الوضوء مع الغسل بدعة و الخبران الدالان على أنّ الوضوء بعد الغسل بدعة لكنهما لا ينافيان قول من قال بوجوب الوضوء مقدما و هذه المسألة محل إشكال و إن كان الأظهر مذهب السيّد و الاحتياط في المشهور و القائلون بوجوب الوضوء مع الغسل في غير الجنابة اختلفوا فمختار الشيخ في المبسوط أنه يجوز إما قبل الغسل و إما بعده و التقديم أفضل
و إليه ذهب جماعة من المتأخرين و قال الشيخ في بعض كتبه على ما نقل عنه بوجوب تقديم الوضوء على الغسل و هو المنقول عن أبي الصّلاح و المفيد و ظاهر كلام ابني بابويه و الآية و الأصل يعضد الأول و احتج الآخرون بمرسلة ابن أبي عمير السّابقة و أجاب عنه المصنف بالحمل على الاستحباب و يؤيّد هذا القول الخبران الدالان على كون الوضوء بعد الغسل بدعة فهاهنا مقاصد
المقصد الأول في الجنابة
و هي في اللغة البعد و شرعا ما يوجب البعد عن أحكام الطاهرين من الإنزال أو الجماع الموجب للغسل
و هي تحصل
للرّجل و المرأة بإنزال المني مطلقا يقظة و نوما بشهوة أو بغير شهوة بلا خلاف بين الأصحاب بل بين جميع ما ذكره جماعة من الأصحاب إلا أن أبا حنيفة يخص الحكم بالخارج بشهوة و الأخبار الدالة على ذلك كثيرة و لا فرق في ذلك بين الرّجل و المرأة بالإجماع المذكور و الأخبار الدالة عليه متظافرة و ما ورد على خلافه مأول أو مطروح و لو تيقن أنّ الخارج مني و لم يكن على الصّفات الآتية وجب الغسل لعموم الأخبار و لو خرج المني من غير الموضع الخلقي فهل يكون ناقضا مطلقا أو يلحق بالحدث الأصغر الخارج عن غير المعتاد فيعتبر فيه الاعتياد أو الانسداد
اختار المصنف الأول لعموم قوله٧الماء من الماء و الشهيد الثاني و لو اعتبرنا هناك تحتية المعدة احتمل اعتبار الصّلب هنا و قربه المصنف في النهاية و القولان مبنيان على النظر إلى العموم اللفظي أو الحمل على الغالب
و إن قلنا بالثاني كان المعتبر في الخنثى خروج المني من الفرجين معا لا من أحدهما إلا مع الاعتياد و لو أحسّ بانتقال المني عند الشهوة فأمسك ذكره فلم يخرج فلا غسل للأصل و لو خرج المني بعد الانتقال و الإمساك لزمه الغسل لوجود السّبب سواء اغتسل قبله أم لا و سواء كان الخروج بشهوة أم لا و كذا لو خرج منه المني فاغتسل ثم خرج منه شيء آخر منه
قال المصنف و إليه ذهب علماؤنا و لو رأى أنه قد احتلم ثم استيقظ و لم يجد شيئا لم يجب عليه الغسل و لو مشى بعد ذلك أو تحرك فخرج المني وجب و لو رأى بللا لا يتحقق أنه مني لا يجب الغسل و لو خرج مني الرّجل عن فرج المرأة لم يجب عليها الغسل و كذا لو كان مشكوكا لما رواه الشيخ عن سليمان بن خالد بإسناد لا يبعد أن يعد موثقا عن أبي عبد اللّٰه٧قلت و المرأة يخرج منها شيء بعد الغسل قال لا يعيد قلت فما الفرق بينهما قال لأنّ ما يخرج من المرأة إنّما هو من ماء الرّجل
و عن منصور في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه٧مثل ذلك و قال لأن ما يخرج من المرأة ماء الرّجل نعم لو علمت الاختلاط وجب قال في الذكرى لو شك فالأحوط الوجوب للاحتياط المظنون و في خبر سليمان بن خالد عنه٧ما يخرج منها من ماء الرّجل و لو خرج المني بلون الدم فالاحتمالان و قرب الشهيد الوجوب تغليبا للخواص و وجه العدم أن المني كان في الأصل دما فلمّا لم يستحل ألحق بالدّماء
و بالجماع في قبل المرأة حتى تغيب الحشفة مع سلامتها بلا خلاف ظاهر بين الأصحاب و ادعى جماعة منهم الإجماع على ذلك و تدل عليه الأخبار المستفيضة مثل ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما ٨ قال سألته متى يجب الغسل على الرجل و المرأة قال إذا أدخله فقد وجب الغسل و المهر و الرجم
و عن محمد بن إسماعيل في الصحيح قال سألت الرّضا٧عن الرّجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان مني يجب الغسل فقال إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل قلت التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة قال نعم إلى غير ذلك من الأخبار و المراد بالتقاء الختانين تحاذيهما لعدم إمكان الالتقاء حقيقة فإن موضع الختان في المرأة أعلى الفرج و مدخل الذكر في أسفله و بينهما ثقبة البول و ذكر الختانين ليس للتخصيص فلو فرض انتفاؤهما أو أحدهما ثبت الحكم لعموم خبر محمد بن مسلم و لو قطعت الحشفة فالمعتبر إدخال قدرها على ما ذكره جماعة من الأصحاب و لو بقي شيء منها فقال الشهيدان المعتبر إدخال الباقي إن لم يذهب المعظم
و مقتضى خبر محمد بن مسلم وجوب الغسل بمجرّد الإدخال و التقييد بغيبوبة الحشفة يقتضي عدم الوجوب قبل ذلك و هو كذلك للأصل و ظاهر الخبر و في دبر الآدمي كذلك و إن لم ينزل الماء
أما وجوب الغسل بالجماع في دبر المرأة فعليه معظم الأصحاب و مختار الشيخ في النهاية و الإستبصار عدم الوجوب و هو المحكي عن ظاهر سلّار قال المصنف و روى ابن بابويه في كتابه عدم إيجاب الغسل و كأنه يشير إلى رواية الحلبي الآتية و هي غير دالة على ذلك
و كلام الشيخ في المبسوط مختلف و ادعى السيّد المرتضى الإجماع على وجوب الغسل بذلك فقال لا أعلم خلافا بين المسلمين في أنّ وطي الرجل في الموضع المكروه من ذكر أو أنثى يجري مجرى الوطي في القبل مع الإيقاب و غيبوبة الحشفة في وجوب الغسل على الفاعل و المفعول به و إن لم يكن إنزال و لا وجدت في الكتب المصنفة لأصحابنا الإمامية إلا ذلك و لا سمعت من عاصرني منهم من شيوخهم نحوا من ستين سنة إلا بذلك فهذه مسألة إجماع من الكل و لو شئت أن أقول إنه معلوم بالضرورة من دين الرسول٦أنه لا خلاف بين الفريقين في هذا الحكم فإن داود و إن خالف في أن الإيلاج في القبل إذا لم يكن معه إنزال لا يوجب الغسل فإنه لا يفرق بين الفرجين كما لا يفرق باقي الأمة بينهما في وجوب الغسل بالإيلاج في كل واحد منهما و اتّصل لي في هذه الأيام عن بعض الشيعة الإمامية أن الوطي في الدبر لا يوجب الغسل تعويلا على أن الأصل عدم الوجوب أو على خبر يذكر أنه موجود في منتخبات سعد أو غيرها فهذا ممّا لا يلتفت إليه
أما الأوّل فباطل لأن الإجماع و القرآن و هو قوله أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ يزيل حكمه و أما الخبر فلا يعتمد عليه في معارضة الإجماع و القرآن مع أنه لم يفت به فقيه و لا اعتمده عالم مع أن الأخبار تدل على ما أردناه لأن كلّ خبر يتضمّن تعليق الغسل بالجماع و الإيلاج في الفرج فإنه يدل على ما ادعيناه لأن الفرج يتناول القبل و الدّبر إذ لا خلاف بين أهل اللغة و الشرع انتهى كلامه على ما نقله المصنف عنه
و يلوح من كلام ابن إدريس أيضا دعوى الإجماع على ذلك و يدل عليه ظاهر الآية لأن المراد بالملامسة فيها الجماع و هو أعمّ من الإتيان لكل من الفرجين و وجوب التيمم بشيء مع عدم وجوب المبدل عنه به مستبعد جدا مع كون الظاهر أن ذكرها في الآية إشارة إلى الجنابة المذكورة سابقا
و يؤيده قول أحدهما ٨ في رواية محمد بن مسلم السّابقة إذا أدخله فقد وجب الغسل و المهر و الرجم إذ الإدخال صادق في الدبر و تخصيص محل الإدخال ببعض ما يتعارف فيه ذلك خلاف الظّاهر
و يؤيده ما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح عن الباقر٧قال جمع عمر ابن الخطاب أصحاب النبي٦فقال ما تقولون في الرّجل يأتي أهله فيخالطها و لا ينزل فقالت الأنصار الماء من الماء و قال المهاجرون إذ التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل فقال عمر لعلي٧ما تقول يا أبا الحسن فقال علي٧أ توجبون عليه الحد و الرجم و لا توجبون عليه صاعا من ماء إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل فقال عمر القول ما قال المهاجرون و دعوا ما قال الأنصار
قال ابن بابويه و كان علي٧يقول كيف لا يوجب الغسل و الحد يجب فيه و يؤيّده مرسلة حفص بن سوقة عمن أخبره قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن الرجل يأتي أهله من خلفها قال هو أحد المأتيين فيه الغسل و إنّما أوردنا تلك الثلاثة بلفظ التأييد لتطرق التأمّل إلى كل واحد منها
و قد يستدل عليه بالإجماع المنقول سابقا قال المصنف بعد نقل ما ذكرنا من كلام السّيّد المرتضى هذا يدل على أنّ الفتوى بذلك متظاهرة مشهورة في زمان السيّد المرتضى بل ادّعاه الإجماع يقتضي وجوب العمل به لأنّه صادق نقل دليلا و خبر الواحد كما يخرج في نقل المظنون فكذا أي المقطوع و تبعه على ذلك غير واحد من المتأخرين و فيه