ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٨
فيهما فلم يبق إلا أن القول بمنع السّكران عن دخول المساجد غير معلوم فإن ثبت الإجماع يمكن أن يقال يجوز أن يكون الأمر كذلك أولا ثم نسخ لكن لم يثبت
و ممّا يؤيد ترجيح الوجه الثاني بعض الأخبار الصحيحة المنقولة عن أبي جعفر٧حيث استدلّ فيها بهذه الآية على تحريم دخول الجنب للمساجد و إنّما قلنا بلفظ التأييد لأنه يمكن أن يقال ليس في الخبر دلالة على انحصار معنى الآية فيه فلعلّه يكون بعض بطون الآية و إن كان غيره أيضا مرادا و في الآية وجه ثالث منقول عن بعض فضلاء فن العربية من أصحابنا في كتاب ألفه في الصّناعات البديعية و هو أن المراد بالصّلاة في قوله تعالى لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ معناها الحقيقي و في قوله تعالى وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ مواضعها قال في الكتاب المذكور عند ذكر الاستخدام بعد ما عرفه بأنه عبارة عن أن يأتي المتكلم بلفظة مشتركة بين معنيين متوسّطة بين قرينتين يستخدم كل قرينة منهما معنى من معنيي تلك اللفظة
و قد جاء في الكتاب العزيز من ذلك قوله تعالى لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ الآية فاستخدم سبحانه لفظة الصّلاة لمعنيين أحدهما إقامة الصّلاة بقرينة قوله سبحانه حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ و الآخر موضع الصّلاة بقرينة قوله جلّ شأنه وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ انتهى و استحسن هذا الوجه بعض الفضلاء قال و لا يضره عدم اشتهار الاستخدام بهذا المعنى بين المتأخرين من علماء المعاني
و يمكن حمل الرّواية على هذا الوجه و لو جعل الاستخدام في القرب كان أظهر و عندي أن في هذا الوجه تكلّف و عدول عن الظاهر و هاهنا وجه رابع و هو أن يكون المراد بالقرب المنهي المعنى الأعم في التلبّس بفعلها و التوجّه إليها و حضور مواضعها بقرينة قوله تعالى إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ و لا إشكال فيه إلا لزوم التخصيص إن ثبت جواز دخول المساجد للسّكران و الأمر فيه هيّن و لا يبعد أن يكون هذا الوجه أحسن الوجوه فتدبر و اللّٰه أعلم بحقائق كلامه
و هل يستحبّ الوضوء مع غسل الجنابة المشهور العدم خلافا للشيخ في التهذيب فإنه قال فيه بالاستحباب استنادا إلى ما رواه عن أبي بكر الحضرمي في القوي عن أبي جعفر٧قال سألته كيف أصنع إذا أجنبت قال اغسل كفك و فرجك و توضأ وضوء الصّلاة ثم اغتسل و يدلّ عليه أيضا ما رواه الكليني و الشيخ عنه في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن عبد اللّٰه بن مسكان و هو ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم عن محمد بن ميسر و هو غير موثق في كتب الرجال قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل إلى آخر السؤال قال يضع يده و يتوضأ و يغتسل
و بإزائهما روايات دالة على كون الوضوء مع الغسل بدعة كما في مرسلة محمد بن أحمد بن يحيى الوضوء قبل الغسل و بعده بدعة و استضعفه الشيخ بالإرسال و روى الشيخ عن عبد اللّٰه بن سليمان بإسناد مجهول قال سمعت أبا عبد اللّٰه٧يقول الوضوء بعد الغسل بدعة و حمل الشيخ هذه الأخبار على ما إذا اعتقد كون الوضوء مع الغسل واجبا و احتمل في الخبرين الأخيرين التخصيص بما عدا غسل الجنابة لأن المسئول في هذه الأغسال أن يكون الوضوء فيها قبلها
و لا يخفى أنه لا تنافي بين الخبرين الأخيرين و الخبرين الدالين على استحباب الوضوء قبل الغسل فانحصرت المعارضة في المرسلة المذكورة و الظاهر أنه يضعف عن المقاومة فإن رجحناها نظرا إلى اشتهار مدلولها حملنا الخبرين على التقيّة لموافقتهما لمذهب العامة فإنهم متفقون على استحباب الوضوء مع غسل الجنابة و بعضهم ذهب إلى الوجوب
الثاني وجوبه مع باقي الأغسال سوى غسل الميّت كما سيجيء و هو المشهور بين الأصحاب خلافا للسيد المرتضى و ابن الجنيد و يدل على الأول وجوه منها قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ الآية خرج عنها الجنب للإجماع و النصّ فيبقى غيره داخلا في عموم الآية و منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد اللّٰه٧قال كل غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة
و منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن أبي عمير عن حمّاد بن عثمان الثقة أو غيره عن أبي عبد اللّٰه٧قال في كلّ غسل وضوء إلا الجنابة و عدها المصنف من الحسان و ليس بشيء و منها ما رواه عن علي بن يقطين في القوي عن أبي الحسن٧قال إذا أردت أن تغتسل للجمعة فتوضأ و اغتسل و منها الاستصحاب
و يدل عليه أيضا عموم الأخبار الدالة على أن الحدث يوجب الوضوء و في الكل نظر أما الأول فلأن الآية و إن كانت عامة لكنها تتخصّص بالأدلة و ممّا يضعف الاستناد إليه ما نقل المصنف في المنتهى إجماع المفسرين على أن المراد إذا قمتم من النوم و نسبه في الخلاف إلى المفسّرين و يدل عليه بعض الرّوايات المعتبرة و قد مرّ في بحث نواقض الوضوء و قد يناقش في عمومها لعدم اشتمالها على شيء من أدوات العموم و الإجماع لا يقتضي العموم بالنسبة إلى محلّ النزاع
و فيه نظر و أمّا في الثاني فلعدم دلالة الخبر على الوجوب بل مدلوله أعمّ من الوجوب و الاستحباب و اعترف به المحقق في بحث وضوء الميّت حيث قال لا يلزم من كون الوضوء في الغسل أن يكون واجبا بل من الجائز أن يكون غسل الجنابة لا يجوز فعل الوضوء فيه و غيره يجوز و لا يلزم من الجواز الوجوب و كذا المصنف في المختلف و العجب أنهما مع اعترافهما بذلك استدلا بهذا الخبر هاهنا على وجوب الغسل في غير الجنابة و تبعهما في الأمرين الشارح الفاضل
و أيضا لو سلّم كونه ظاهرا في الوجوب لكن يلزم حملها على المعنى الأعم جمعا بينه و بين ما يدل على عدم وجوب الوضوء مع غسل الميّت إذ هذا الحمل ليس أبعد من التخصيص و أيضا لو تم الاستدلال يلزم أن يكون الوضوء متعيّنا قبل الغسل على سبيل الوجوب و لم يقل بذلك كثير منهم و أيضا مع قطع النظر عن ذلك كله نقول ارتكاب التأويل لازم في هذا الخبر جمعا بينه و بين ما هو أقوى منه كما ستعرف
و من هنا يظهر الجواب عن الثالث و قد يقال إن هذه الرواية عين السّابق لأن الموجود في التهذيب رواية ابن أبي عمير بطريقين أحدهما عن رجل و الآخر عن حمّاد بن عثمان أو غيره فهي بالحقيقة رواية واحدة مرسلة فلا يصح عدّها روايتين و قد يجاب بالقدح في سند الرّواية لمكان الإرسال و قد طعن المحقق في المعتبر
و الشهيد الثاني في شرح الدراية في مراسيل ابن أبي عمير مع احتمال أن لا يكون الإرسال منه بل من غيره و هذا عندي ضعيف لتصريح الشيخ بأن ابن أبي عمير لا يروي إلا عن الثقات و كونه ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه و اشتهار المراسلة بين الأصحاب و على هذا يندفع الاحتمال الذي ذكره مع كونه خلاف الظاهر و سيجيء لهذا زيادة تحقيق إن شاء اللّٰه تعالى
و أمّا عن الرابع فلعدم دلالة الرواية على الوجوب بل عدم صحة حملها عليه
و أما الخامس فلأن الاستصحاب يرتفع بالأدلة كما ستعرف مع ما فيه من الضعف و أما عن السادس فلأن تلك الأخبار مخصصة بمقتضى الأدلة الآتية و يدل على القول الأخير ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر٧قال الغسل يجزئ عن الوضوء و أي وضوء أطهر من الغسل
و الظاهر من المفرد المعرف باللام في أمثال هذه المواضع العموم إذ الحمل على العهد الذهني ينافي غرض البيان و الإفادة و يؤيده التعليل المستفاد من قوله٧و أي وضوء أطهر من الغسل فإنه ظاهر في العموم إذ لا خصوصية لغسل الجنابة في هذا الحكم
و قد يقال إذا أمكن حمل المعرف باللام على معنى معهود و لم يجب الحمل على العموم و غسل الجنابة من بين الأغسال لحصول سببه في أكثر الأحيان و كثرة الاحتياج إليها حتى صار غيره بالنسبة إليه بمنزلة النادر المعدوم كان بمنزلة الحاضر المعهود في الذهن فالحمل عليه غير بعيد
و عندي أن هذا الكلام متّجه إذا كان غير غسل الجنابة نادرا قليل الوقوع و ليس الأمر كذلك بل الظاهر العموم بمعونة التعليل و يدل عليه أيضا قوله٧في صحيحة حكم بن حكيم السّابقة و أي وضوء أنقى من الغسل و أبلغ فإنه ظاهر في العموم و السؤال عن الجنابة لا يخصّصه لأنّ خصوص السؤال لا يوجب تخصيص العام لكن المناقشة في العموم
و يدل عليه أيضا ما رواه الشيخ عن عمّار السّاباطي في الموثق قال سئل أبو عبد اللّٰه٧عن الرّجل إذا اغتسل من جنابته أو يوم جمعة أو يوم عيد هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده فقال لا ليس عليه قبل و لا بعد قد أجزأها الغسل و ما رواه الشيخ بإسناد فيه اشتراك بين الضعيف و غيره عن حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّٰه٧في الرّجل يغتسل للجمعة أو غير ذلك أ يجزيه من الوضوء فقال أبو عبد اللّٰه٧و أي وضوء أطهر من الغسل و بإسناد فيه جهالة و اشتراك أن محمد بن عبد الرحمن الهمداني كتب إلى أبي الحسن الثالث٧يسأله عن الوضوء للصّلاة في غسل الجمعة فكتب لا وضوء للصّلاة في غسل الجمعة و لا غيره
و حمل الشيخ ره تلك الروايات الثلاث على ما إذا اجتمعت هذه الأغسال مع غسل الجنابة و هو بعيد و ممّا يؤيّد هذا القول كثير من الأخبار الواردة في أحكام الحائض و المستحاضة و النفساء فإنهم : ذكروا أنها تغتسل و تصلي من غير ذكر للوضوء في مقام البيان المقتضي لذلك إن وجب و للمقابلة في التقسيم مع الوضوء في بعضها
ففي صحيحة زرارة فإن جاز الدم الكرسف تعصّبت و اغتسلت ثم صلت الغداة بغسل و الظهر و العصر بغسل و في صحيحة ابن سنان المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر و تصلي الظهر و العصر ثم تغتسل عند المغرب و تصلي المغرب و العشاء ثم تغتسل عند الصبح و تصلي الفجر و في صحيحة عبد الرّحمن ابن الحجّاج إن كانت صفرة فلتغتسل و لتصلّ إلى