ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٥
بعد ما كان فارغا و لم يعلم هل حصل اليقين بالإكمال أولا أم لا فإن قام من مكانه و اشتغل بشيء آخر فكذلك للأخبار السّالفة و إن كان جالسا على حالته الأول فمقتضى كلام من أشرنا إليهم من المتأخرين أنه كذلك
و بعض الأخبار السّابقة لا يخلو عن دلالة عليه و يلوح من كلام المفيد و الشيخ في النهاية و ابن زهرة بل ابن إدريس أيضا أنه يعتبر اليقين أولا و طريق الاحتياط واضح و لو جدد الوضوء ندبا احترز بذلك عما جدّده وجوبا بالنذر و شبهه فإنه يرفع الحدث عند المصنف في هذا الكتاب لأنه لم يشترط نية الرفع أو الاستباحة
ثم ذكر بعد الصّلاة الواقعة بعدهما إخلال عضو من أحدث الطهارتين مع جهل التعيين أعاد الطهارة و الصّلاة لإمكان أن يكون الخلل في الأولى فتكون الثانية واقعة على غير وجهها الواقعي فيكون باطلا إلا مع ندبية الطهارتين بأن توضّأ قبل حصول السّبب ثم جدد الوضوء ندبا ثم دخل الوقت فصلى به ثم ذكر الإخلال المجهول فإن الصّلاة صحيحة حينئذ لحصول الجرم بسلامة إحداهما
و تحقيق المسألة أن يقال إذا توضأ المكلّف وضوءا رافعا للحدث فرضا أو نقلا ثم جدد وضوءا آخر بنية الندب أو الوجوب ثم ذكر الإخلال بعضو من أحدهما فلا يخلو إما أن يكتفى بالقربة في نية الوضوء أم لا فعلى الأوّل صح وضوؤه و صلاته مطلقا و كذا إن قلنا برفع المجدد الحدث كما سنبين
و على الثاني إن اعتبرنا الوجه مع ذلك من دون أحد الأمرين فإن كان الوجه الملحوظ معتبرا على تقدير فساد الأولى كما إذا توضأ ندبا قبل دخول الوقت للتهيؤ مثلا ثم جدد ندبا كذلك فهو كالسّابق في الصحّة و إن لم يكن معتبرا على التقدير المذكور كما إذا توضّأ واجبا ثم جدد ندبا فوجهان ناشئان من عدم اشتمال الثّاني على الوجه المعتبر لو كان الخلل في الأوّل و من كون المكلف مأمورا بإيقاع الفعل عليها دون الأمر الواقعي إذ ليس مناط التكليف الواقع و إن اعتبرنا نية الرفع أو الاستباحة فإن قلنا باشتراط أحدهما عند المكنة بأن يكون ذاكرا لوجود الحدث لا مطلقا فالظاهر الصحّة أيضا لاشتمال إحدى الطهارتين على جميع ما يعتبر فيها شرعا
و لعلّ الشيخ نظر إلى ذلك حيث اختار في المبسوط الصحّة مع قوله فيه باشتراط أحد الأمرين في النية أو نظر إلى أن الغرض من شرعية التجديد تدارك خلل السّابق لو اشتمل عليه فاندفع عنه ما يعزى إليه من المناقضة و إن قلنا بتوقف صحة الصّلاة على الوضوء المشتمل على نية أحدهما مطلقا كما اختاره ابن إدريس و ادّعى إجماع الأصحاب عليه
و هو الذي يقتضيه الدليل المشهور على وجوب نية الاستباحة إن تم فيحتمل البطلان لجواز أن يكون الخلل في الطهارة الأولى و لا تكفي الثانية لعدم اشتمالها على أحد الأمرين المذكورين
و يحتمل الصحّة كما اختاره المصنف في المنتهى بناء على كونه داخلا في الشك بعد الفراغ فصحّ الأولى و نقله الشهيد ره في البيان عن السيّد جمال الدين بن طاوس و استوجهه العلامة و قد يقال فرق بين الصورتين بأن اليقين هنا حاصل في الترك و إنما حصل الشك في موضعه بخلاف الشك بعد الفراغ فإنه لا يقين فيه أصلا و المتبادر من الأخبار المتضمنة لعدم الالتفات إلى الشك بعد الفراغ الوضوء المتجدد الذي حصل الشك فيه بعد الفراغ منه و هو متجه
لا يقال انسياق بعض الأفراد إلى الأذهان و تبادر الأفهام إليه لا يوجب تخصيص العمومات بإخراج الباقي عنها لأنا نقول قد أشرنا سابقا إلى أن النظر في الأخبار المنقولة عنهم : إنما يكون مقصورا على الأفراد الغالبة الشائعة لا مطلقا كما يفصح عنه التتبع
و يؤيد الصحّة مطلقا قوله٧في رواية ابن بكير السّالفة إذا استيقنت أنك توضأت فإياك أن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت و يؤيده ما يقال من أن الظاهر من فحاوي الأخبار أنّ شرعية المجدد إنّما هو لاستدراك ما وقع في الأوّل من الخلل لكن ذلك لم يثبت عندي
و يؤيده أيضا ما رواه ابن بابويه في الفقيه من إجزاء غسل الجمعة من غسل الجنابة مع نسيانه و يناسبه ما اتفق عليه الأصحاب من إجزاء صوم يوم الشك بنية النّدب عن الواجب و ما ورد من استحباب الغسل في أول ليلة من شهر رمضان تلافيا لما عساه فات من الأغسال الواجبة و نحو ذلك
و اعلم أنه لا خلاف بينهم في شرعية التجديد و نقل دعوى الإجماع على ذلك من جماعة منهم و اختلفوا في حصول الإباحة به لو ظهر فساد السّابق فقال بذلك الشيخ في المبسوط و قواه في المبسوط و وجهه في المعتبر لكن قيده بما إذا قصد إيقاع الصّلاة على الوجه الأكمل لكونه فضيلة لا تحصل إلا به و منهم من أنكر ذلك و الأقرب مختار المبسوط لما ذكرنا و التفصيل أن الوضوءين إما واجبان أو مندوبان أو بالتفريق و على كلّ تقدير فالثاني إما أن يكون مجدّدا أم لا فالصور ثمان
الأولى أن يكونا واجبين و الثاني غير مجدد كما لو توضأ للفريضة بعد دخول وقتها ثم ذهل عنه و توضأ وضوءا واجبا أو تيقن الحدث و شك في الطهارة أو تيقنهما و شك في المتأخر فتوضأ ثم ذكر الوضوء متأخرا عن الحدث و الظاهر عدم وجوب الإعادة في الصّورة المذكورة بالاتفاق
الثانية أن يكونا واجبين و الثاني مجدد واجب كما لو نذر التجديد فإن اكتفينا بالقربة أو بالقربة مع الوجه فالوجه الصحة و إلا فالتفصيل الذي ذكرنا سابقا
الثالثة أن يكونا مندوبين و الثاني غير مجدد كما لو توضأ قبل دخول الفريضة للتأهب أو الصلاة نافلة ثم ذهل عنه قبل دخول الفريضة فتوضّأ كذلك و حكمه كالأول و لو توضأ قبل دخول الفريضة ندبا ثم دخل الفريضة فصلّى ثم ذهل عن الوضوء فتوضأ ندبا للتأهب لفريضة أخرى ففيه إشكال ينشأ من أنه لو كان الخلل في الوضوء الأول لم يبرأ ذمته عن الصّلاة الواجبة التي صلّى به فلم يكن الوضوء الثاني مشتملا على الوجه الواقعي و من اشتماله على الوجه الذي يعتقده
الرّابعة أن يكونا مندوبين و الثاني مجدد فلا يخلو إما أن يكون وقوع الثاني قبل اشتغال الذمة بالغاية الواجبة أم لا و على الأول فالوجه الصحّة بناء على الاكتفاء بالقربة أو هي مع الوجه و على الثاني ففيه وجهان من حيث النظر إلى الظاهر أو الواقع
الخامسة أن يكون الأول مندوبا و الثاني مجدّدا واجبا كما لو نذر التجديد و الحكم فيه كالثانية و لو وقع الثاني في وقت براءة الذمة عن الواجب أمكن في الحكم المذكور مناقشة بعيدة
السّادسة الصّورة بحالها و الثاني غير مجدد كما لو توضّأ للنّافلة أو للتأهب ثم ذهل عنه و توضّأ للفريضة بعد دخول الوقت و حكمها كالأولى
السّابعة أن يكون الأول واجبا و الثاني مندوبا مجددا و حكمه يستفاد من التفاصيل السّابقة
الثامنة الصّورة بحالها و الثاني مندوب و غير مجدّد كما لو توضأ للصّلاة الواجبة في وقتها ثم ذهل عنه و توضأ للتأهب لفريضة أخرى قبل دخول وقتها فإن قلنا بالقربة و الوجه بحسب الظاهر و اكتفينا بذلك فالوجه الصحّة و إلا فحكمه ما يعرف من المباحث السّالفة و اعلم أنهم حكموا بإعادة الصّلاة الواقعة بالوضوء الأول مطلقا عند التردّد المذكور و فيه إثبات إعادته بعد خروج الوقت إشكال
و لو تعددت الصّلاة الواقعة بعد الطهارة الثانية أيضا كما لو تعددت الطّهارة أعاد الصّلاتين و الطّهارة إذ لا فرق بين الصّلاة الواحدة و المتعدّدة و قد مر الكلام في ذلك و لو تطهر و صلّى و أحدث و المراد مرتّبا و إن لم يكن الواو للترتيب عند المصنف و جمهور المحققين ثم تطهر و صلّى كذلك ثم ذكر إخلال عضو مجهول بالنسبة إلى الطهارتين و إن علم عينه كالوجه مثلا أعاد الصّلاتين بعد الطّهارة إن اختلفتا عددا كالمغرب و العشاء الفساد إحداهما بفساد لا يمكن الترديد للاختلاف و إلا أي و إن لم يكونا مختلفين عددا كالظهر و العصر فالعدد أي وجب فريضة بعدد إحداهما مرددا بينهما في النية على قول معظم الأصحاب لصدق الامتثال بالترديد و للأصل السّالم عن معارضة كونه مقدمة للواجب
و لقائل أن يمنع الأول بناء على أن الفائت الفعل مع نية التعيين فمجرد الفعل غير كاف في القضاء لا يقال نية التعيين متعذر لأنا نقول لا نسلّم ذلك إذ يمكن تعيين وجوب الجميع عليه و إن كانت [كان] الفائت واحدا تحصيلا لليقين إذ لا بعث في إيجاب الظهر مثلا ثانيا عند الشك بحصولها أولا كما إذا شك في الإتيان بالظهر في وقت فإن الظاهر أنه يفعلها حينئذ بنية الظهر جزما و إن وقعت أولا في الواقع
ثم إن كفى في الإتيان بالظهر مثلا أداء نية ما في الذمة أو وظيفة الوقت يصح الاستدلال و إن ينازع في الثاني بناء على أن المسألة من باب اليقين في أصل التكليف و الشك في عنوان ما يحصل الامتثال و الظاهر أن القضاء لا يثبت له كونه ظهرا مثلا فإن اللّٰه تعالى أوجب على المكلفين صلاة معينة في وقت معين و هو المراد بالظهر ثم أوجب على المكلفين الإتيان بمثله عند فواتها و لا يصدق على هذه الصّلاة كونها ظهرا بل إنما هي بدل عنها فلا يمكن في القضائية كونها ظهرا فما دل على الإتيان بمثل الفائت كان المراد منه الإتيان بمثله في جميع الخصوصيات سوى نية كونه