ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٥
إلى أنّ مقتضى الدّليل الاستدامة الفعلية لكن لما تعسّر ذلك أو تعذر اكتفى بالاستدامة الحكمية دفعا للحرج و لعلّ مراده من العزم المذكور العزم عليه كلّما ذكر لا مطلقا و لكون هذا التقييد مذكورا في قواعده و تصريحه في الذكرى و غيره بأن غروب الاستدامة غير قادح في الصحة فلا يرد أنّ ما ذكره يقتضي بطلان عبادة الذاهل في الأثناء و هو باطل إجماعا على أن الإجماع المذكور ممنوع
و المستند ما سمعته من كلام ابن زهرة و لا أن الاستدامة المذكورة هي بعينها الاستدامة الفعلية التي نفاها أو لا بل هي نفس النية إذ هي عبارة عن العزم المخصوص على أن المراد من العزم المذكور مجرد العزم على الفعل على الوجه الذي قصد أولا من غير ملاحظة سائر الخصوصيات المعتبرة في النية و كان مراد الشهيد ره من الدليل الذي جعل مقتضى الاستدامة الفعلية خبر إنما الأعمال بالنيّات
و في دلالته على ذلك تأمّل لأنه على تقدير تسليم أن المراد منه نفي الصحة بدون النية يجوز أن يكون المراد من الأعمال المعهودة من الشارع كالصّلاة و الحجّ و غيرهما و الأجزاء غير داخلة في ذلك إلا على سبيل التضمّن و الدلالة التضمنيّة ملغاة في أمثال هذه المواضع فغاية ما يلزم وجوب تلبّس العمل بالنية و مقارنته بها و هو لا يقتضي بقاءها إلى آخره فإنه غير مستفاد من الملابسة المفهومة من الباء أ لا ترى أن قوله ٧ لا صلاة إلا بطهور و لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب لا يقتضي إلا ملابسة الصّلاة بهما من غير استصحاب مستمرّ كما في قوله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ و قولهم بالرفاء و البنين فأورد عليه أيضا بأن مقتضى الدّليل على تقدير تمامه الاستدامة الفعلية بقدر الإمكان لعدم الدليل الدال على الاكتفاء بالاستدامة الحكمية حتى يقال إنه بدل مخصوص فلا ينتقل إلى غيره و يمكن أن يقال قد دل الدليل على استمرار العزم مع باقي الخصوصيات و غير العزم منفي بالإجماع فيبقى العزم على المقتضي واجبا لكنّه ره لم يتمسك بنفي ذلك بل بنفي الحرج و فيه ما فيه
ثم إنه ره نسب التفسير الذي ذكرنا أولا إلى الشيخ في المبسوط و كثير من الأصحاب ثم قال و كأنه نبأ منهم على أن الباقي مستغن عن المؤثر و قيل إنه في رسالة الحج بنى كلا التفسيرين على أن الباقي هل هو محتاج إلى المؤثر أم لا و هو ضعيف جدّا
فلو نوى المكلف بوضوئه التبرد خاصة من دون انضمام القربة و سائر ما يعتبر في النية أو ضم الرّياء إلى التقرب بطل هذا هو المشهور بين الأصحاب و المحكي عن ظاهر كلام السيّد المرتضى القول بإجزاء العبادة المنوي بها الرياء بمعنى سقوط القضاء لا حصول الثواب و هو مبني على قاعدته من عدم الملازمة بين صحّة الأعمال و قبولها فبالصحة يحصل الامتثال و بالقبول يستحق الثواب و الاستدلال على المشهور بقوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ الآية ضعيف فإنه مع المنوع السّابقة
يرد عليه أيضا أن ليس المراد حصر غاية كل عبادة في العبادة حال الإخلاص و إلا لم يصحّ عطف الصّلاة و الزكاة عليه بل المراد حصر غاية الجميع في ذلك و حينئذ يجوز أن يكون أصل العبادة غاية لبعض الأوامر و الإخلاص غاية لبعضها فلا يلزم اشتراط العبادة بالإخلاص مع إمكان النزاع في كون ذلك إشارة إلى الحصر المذكور يجوز أن تكون إشارة إلى العبادة في حال الإخلاص فلا يلزم الوجوب في حقنا بخلاف ما لو ضم التبرد هذا الحكم مشهور بين الأصحاب لعدم منافاة الضميمة لنية القربة كنية الغازي القربة و الغنيمة و قيل بالبطلان لمنافاته الإخلاص المعتبر شرعا و إثبات ذلك لا يخلو عن إشكال و قال الشهيد في قواعده يحتمل أن يقال إن كان الباعث الأصلي هو القربة ثم طرأ التبرد عند الابتداء في الفعل لم يضر و إن كان الباعث الأصلي هو التبرد فلمّا أراده ضم القربة لم يجز و كذا إذا كان الباعث مجموع الأمرين لأنه لا أولوية حينئذ تدافعا و تساقطا
و الظاهر أن نية القربة إن كانت غالبة فالمتجه الصحة و إلا فمحل إشكال هذا كله إذا لم تكن الضميمة أمرا راجحا شرعا و إلا فالوجه الصحّة مطلقا و من هذا الباب قصد الإمام بتكبيرة الإحرام إعلام القوم و ضم الصّائم إلى الصّوم نيّة الحميّة و إرادة تأسي الغير به عند إظهار الخير و يقارن بها غسل اليدين المستحب لأجل الوضوء على تفصيل يأتي من كون الغسل عن النوم أو البول أو الغائط لا من الريح و لا إذا كان مستحبا بسبب آخر كما إذا أراد الوضوء بعد الأكل أو واجبا كما إذا كانت نجسة كذا ذكره بعض الأصحاب و هو مخصوص بغسل اليدين دون باقي المستحبات كالسّواك و التسمية و ادّعى الشّارح الإجماع عليه
و يمكن القول بأن الغسل في الصّورة الأخيرة لأجل الوضوء و يؤيده ما ورد من التعليل في النّائم بأنه لا يدري أين باتت يده و من كون الغسل من ماء قليل من إناء واسع الرأس و سيأتي الكلام فيه و أولى بالجواز تقديمها عند المضمضة و الاستنشاق
و نقل عن ابن إدريس أنه جوز التقديم عند غسل اليدين في الغسل دون الوضوء بل في الوضوء أن يقارن المضمضة و الاستنشاق حسب و مثل ذلك قال ابن زهرة تعليلا بأنهما من مندوبات الوضوء و قال الشهيد إن ذلك تحكم
و نقل عن بعض أهل العلم التوقف فيهما نظرا إلى أنّ مسمّى الوضوء الحقيقي غيرهما و للقطع بالصحّة إذا قارن غسل الوجه دون غيره و يمكن تأييده بأنه ثبت توقف صحة الوضوء على نية ما و عند التقديم يحصل الشك في حصول الشرط فيجب الأخذ بالمتيقن و ذلك بناء على أن التكليف إذا كان مردّدا بين أمرين يجب الأخذ بما يحصل به اليقين بالبراءة و قد حققناه في غير هذا الكتاب
و يمكن دفعه بأن القدر الثابت اشتراط الوضوء بنية شاملة للجميع و لم يثبت أكثر من ذلك فيكون تقييد إطلاق الآية متقدرا بهذا القدر و من هنا يظهر قوة القول بالتوسعة كما هو المشهور لكن الأحوط تأخير النية إلى ابتداء غسل الوجه و أفراد المسنونات السّابقة بنية
و أمّا المستحبات الواقعة في أثناء الوضوء فلا يجب التعرض لها حال النية بل يكفي نية التقرب حال فعلها و المقارنة المذكورة على سبيل الجواز و السّعة لا الوجوب
و يتضيق عند غسل الوجه و المراد ابتداؤه إذ لو أخر عن ذلك لم يكن مجموع الفعل حاصلا بنيّة التقرب و لا متلبسا بالنية و يلوح مما نقلنا سابقا عن الجعفي و ابن الجنيد الخلاف في ذلك
و غسل الوجه بما يسمى غسلا قال الشارح الفاضل هو في اللغة إمرار الماء على وجه التنظيف و التحسين و إزالة الوسخ و نحوها و المراد هنا ما يحصل معه الجريان على جميع أجزاء ما يجب غسله و أقله أن يجري جزء من الماء على جزءين من البشرة و لو بمعاون انتهى و الأقرب تحديده بالعرف و الظاهر أن الغسل المأمور به في الوضوء لا يحصل بدون الجريان و يؤيده ما رواه الشيخ و الكليني عن زرارة في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي جعفر ٧ قال الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله و كثيره فقد أجزأه و يحدد الجريان بالعرف
و أما الرّوايات الدالة على إجزاء مثل الدهن مثل ما رواه الشيخ عن زرارة و محمد بن مسلم في الحسن بإبراهيم بن هاشم و رواه الكليني بإسنادين أحدهما السّند السّابق عن أبي جعفر ٧ قال إنما الوضوء حد من حدود اللّٰه ليعلم اللّٰه من يطيعه و من يعصيه و أن المؤمن لا ينجسه شيء إنما يكفيه مثل الدهن و ما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه أن عليّا ٧ كان يقول الغسل من الجنابة و الوضوء يجزي منه ما أجري من الدهن الذي يبل الجسد و لو لا في طريق هذه الرّواية غياث بن كلوب لكانت من الحسان و أما غياث فلم يوثقوه في كتب الرجال
و يظهر من كلام الشيخ في العدة أنه عامي لكن الأصحاب يعملون بأخباره و ما رواه الكليني بإسناد فيه توقف عن مسلم عن أبي جعفر ٧ قال يأخذ أحدكم الرائحة من الدّهن فيملأ بها جسده و الماء أوسع من ذلك و ما رواه الشيخ عن زرارة في الموثق بابن بكير و الحسن بن علي بن فضال قال سألت أبا جعفر ٧ عن غسل الجنابة قال أفض على رأسك ثلاث أكف و عن يمينك و عن يسارك إنما يكفيك مثل الدّهن
فقد حملها الشهيد ره على الدهن الذي يحصل معه الجريان توفيقا بينه و بين مفهوم الغسل و لأن أهل اللغة يقولون دهن المطر الأرض إذا بلها بلا يسيرا و يخدش الأخير أن حمل الدهن على هذا المعنى