ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٧٣
يجعل خلا قال لا بأس و في بعض الأخبار المنع مما لم يكن من قبل نفسه و حمل الشيخ على الاستحباب و هو حسن و يطهر العصير على تقدير نجاسته باستحالته خلا عندهم كالخبر و بذهاب ثلثيه
و قد يستدل على الأول بأن العصير أولى بالحكم من الخمر و فيه تأمّل و أما الثاني فلدلالة النصوص الكثيرة على زوال التحريم بذهاب الثلثين و هو يستلزم الطهارة و المعروف بينهم أنه يطهر بطهارة العصير أيدي مزاوليه و ثيابهم و آلات الطبخ حتى لو أصاب العصير شيئا في حال الحكم بنجاسته ثم جفت الرطوبة الحاصلة فيه بحيث علم ذهاب ثلثي ما أصاب حكم بالطهارة
و إذ قد عرفت أن مأخذ نجاسة العصير منحصر في كلام الأصحاب و أن للقول بطهارته رجحانا سهل الخطب في هذه الأحكام و تعين المصير إلى موافقتهم في الأمور المتعلقة بالطهارة هاهنا
العاشر قال المصنف في المنتهى البخار المتصاعد من الماء النجس إذا اجتمع منه نداوة على جسم صقيل و تقاطر فهو نجس إلّا أن يعلم بكونه من الهواء كالقطرات الموجودة على طرف إناء في أسفله جمد نجس فإنها طاهرة هذا كلامه و الظاهر أن الحكم بالطهارة غير متوقف على العلم بالتكون من الهواء بل يكفي فيه احتمال ذلك فتدبر
و الأرض باطن النعل و القدم و الخف سواء كان إزالة النجاسة بالمشي أو الدلك و سواء كان على التراب و الحجر أو الرمل و أصل الحكم مما لا نعرف فيه خلافا بين الأصحاب لكن المصنف في التحرير استشكل ثبوته في القدم و عزى في المنتهى القول بمساواته للنعل و الخف إلى بعض الأصحاب و ذكر أن في رواية صحيحة دلالة عليه قال بعد ذلك عندي فيه توقف و كلامه في سائر كتبه مصرح في التسوية و كذا كلام جمهور المتأخرين و ابن الجنيد من المتقدمين و المفيد و سلار اقتصرا على النعل و الخف و لم يذكر القدم بنفي و لا إثبات و جماعة من المتقدمين لم يذكروا المسألة من أصلها
و يدل على أصل الحكم روايات منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة قال قلت لأبي جعفر ٧ رجل وطئ على عذرة فساخت رجله فيها أ ينقض ذلك وضوءه و هل يجب عليه غسلها فقال لا يغسلها إلّا أن يقدرها و لكنه يمسحها حتى يذهب أثرها و يصلي
و منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر ٧ قال جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان و لا يغسله و يجوز أن يمسح رجليه و لا يغسلهما و منها ما رواه الكليني في الصحيح عن الأحول عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال في الرّجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكانا نظيفا قال لا بأس إذا كانت خمسة ذراعا و نحو ذلك و عن المعلى بن خنيس في الحسن قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل عليه الماء أمر عليه حافيا قال أ ليس وراءه شيء جاف قلت بلى فقال لا بأس أن الأرض يطهر بعضه بعضا
و عن محمد الحلبي قال نزلنا في مكان بيننا و بين المسجد زقاق قذر فدخلت على أبي عبد اللّٰه ٧ فقال أين نزلتم فقلت نزلنا في دار فلان فقال إن بينكم و بين المسجد زقاقا قذرا و قلنا له إن بيننا و بين المسجد زقاقا قذرا فقال لا بأس الأرض يطهر بعضها بعضا قلت فالسرقين الرطب أطأ عليه فقال لا يضرك مثله
و لعل المراد بقوله الأرض يطهر بعضها بعضا أن النجاسة الحاصلة في أسفل القدم و نحوها بملاقاة الأرض المتنجسة يطهر بالمسح في موضع آخر من الأرض فسمي زوال الأثر الحاصل من الأرض تطهيرا لها كما سمي إزالة البول تطهيرا له فيقال الماء مطهر للبول
و منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن فضالة و صفوان بن يحيى عن عبد اللّٰه بن بكير عن حفص بن أبي عيسى قال قلت لأبي عبد اللّٰه ٧ إني وطئت عذرة بخفي و مسحته حتى لم أر فيه شيئا ما تقول في الصلاة فيه فقال لا بأس و هذه الرواية لا دلالة لها على المطلوب فإنه يكفي في جواز الصلاة فيه كونه مما لا يتم الصلاة و لا يقتضي ذلك طهارته إلّا أنهم أوردوها في الاحتجاج
و لا يخفى أن روايتي زرارة دالتان على حكم القدم مع صحتها فلا وجه لتوقف المصنف فيه و رواية الأحول تضمنت اعتبار الشيء نحو خمسة عشر ذراعا و كذا نقل عن ابن الجنيد من أنه قال في مختصره و إذا وطئ الإنسان برجليه أو بما هو وقاء لهما نجاسة رطبة أو كانت رجله رطبة النجاسة يابسة أو رطبة فوطئ بعدها نحوا من خمسة عشر ذراعا أرضا طاهرة يابسة طهر ما مس النجاسة من رجله و الوقاء لها و لو غسلها كان أحوط و لو مسحها حتى تذهب عين النجاسة و أثرها بغير ماء أجزأها إذا كان ما مسحها به طاهرا و لعل الغرض من هذا التحديد في الرواية بيان مقدر المشي الذي يحصل به زوال عين النجاسة غالبا و الحمل على هذا لرعاية الجمع بينها و بين غيرها و في قوله نحو ذلك إعانة عليه و كان ذلك أيضا مراد ابن الجنيد لتصريحه بمدلول خبر زرارة في آخر كلامه كما علمت فروع
الأول لا يشترط جفاف النجاسة قبل الدلك و لا أن يكون لها جرم لإطلاق الروايات فلو كان أسفل القدم أو النعل متنجسا بنجاسة غير مرئية كالبول اليابس طهر بمجرد المشي على الأرض و اعتبر بعض العامة كون النجاسة ذات جرم و أن تكون جافة قبل الدلك و هو ضعيف
الثاني ذكر الشارح الفاضل أن إطلاق النص و الفتوى يقتضي عدم الفرق في الأرض بين الطاهرة و غيرها و قد قطع الشهيد في الذكرى بوجوب طهارتها و هو المنقول عن جماعة من الأصحاب
و صرّح به ابن الجنيد في العبارة المنقولة عنه فإطلاق القول بإطلاق الفتاوى محل نظر و أما النص فأكثره مطلق و في رواية الأحول إشعار بالطهارة و القول باشتراط الطهارة أحوط و إن كان عدم الاشتراط لا يخلو عن قوة
الثالث نقل عن جماعة من متأخري الأصحاب اشتراط الجفاف في الأرض و قد مر ذلك في كلام ابن الجنيد و نفاه المصنف في النهاية و وافقه الشارح الفاضل مشترطا عدم خروج الأرض بالرطوبة عن اسمها و ذكر أن الرطوبة اليسيرة التي لا تحصل منها تعد غير قادحة على القولين و القول بالاشتراط أحوط و إن كان القول بعدمه أقوى
الرابع قال في النهاية لو وطئ وحلا فالأقرب عدم الطهارة و فيه إشكال لعموم الأخبار
الخامس قال المصنف في النهاية لو دلك النعل و القدم بالأجسام الصلبة كالخشب أو مشى عليها فإشكال و لعل منشأ الإشكال إناطة الحكم بالطهارة بالمسح المذهب للأثر في صحيحة زرارة و أن المعروف بين الأصحاب اختصاص الحكم بالأرض و إن كان كلام ابن الجنيد دالّا على العموم فيمكن حمل الرواية على الأفراد الغالبة و الأول لا يخلو عن قوة
السّادس لا فرق بين الخف و النعل و غيرهما مما يتنعل به و لو من الخشب كالقبقاب و خشب الأقطع ملحق بالنعل أو القدم صرح بذلك جماعة من المتأخرين و تردد الشارح الفاضل في إلحاقها بأحدهما نظرا إلى عدم صدق شيء منهما عليها لكنه جزم بالإلحاق في غير موضع و نقل عن بعض المتأخرين استبعاد إلحاق القبقاب لتوقف لإلحاق على صدق الاسم النعل عليه و إذ قد عرفت ضعف الاستناد إلى الأصحاب في موضع الخلاف أمكن الاستدلال على انسحاب الحكم في الكل بالتقريب مر مرارا
خاتمة
لمبحث إزالة النجاسات في الأحكام الأواني
يحرم
استعمال أواني الذهب و الفضة في الأكل و الشرب و غيره قال المصنف في المنتهى أجمع من يحفظ عنه العلم على تحريم الأكل و الشرب في الآنية المتخذة من الذهب و الفضة إلّا ما نقل عن داود أنه يحرم الشرب خاصة و عن الشافعي في القديم أن النهي نهي لتنزيه و قال فيه أيضا و هل يحرم استعمالها مطلقا في غير الأكل و الشرب قال به علماؤنا و نقل اتفاق الأصحاب على تحريم الاستعمال مطلقا في التذكرة و الذكرى و قال الشيخ في الخلاف يكره استعمال أواني الذهب و الفضة
و لعل مراده التحريم و الأخبار بذلك مستفيضة من طريق العامة و الخاصة فروى الجمهور عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)أنه قال لا تشربوا في آنية الذهب و الفضة و لا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا و لكم في الآخرة و عن علي ٧ أنه قال الذي يشرب من آنية الذهب و الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم
يقال جرجر الشراب أي صوت و المراد أنه بفعله يستحق العذاب على أبلغ وجوهه و من طرق الخاصة ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن إسماعيل ابن بزيع قال سألت الرضا ٧ عن آنية الذهب و الفضة فكرهها فقلت قد روى بعض أصحابنا أنه كان لأبي الحسن ٧ مرآة ملبسة فضة فقال لا و اللّٰه إنما كان لها حلقة من فضة هي عندي ثم قال إن العباسي حين عذر عمل له قضيب ملبس من فضة نحو ما يعمل للصّبيان يكون فضته نحوا من عشرة دراهم فأمر به أبو الحسن فكسر و في الحسن عن الحلبي عن أبي أبي عبد اللّٰه ٧ قال لا تأكل في آنية من فضة و لا في آنية مفضضة
و عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر ٧ أنه نهى عن آنية الذهب و الفضة و رواها ابن بابويه عن أبان عن محمّد بن مسلم و الظاهر أنه أبان بن عثمان و طريق الصدوق إليه صحيح فلم يبعد إلحاق الرواية بالصحاح و عن داود بن سرحان عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال لا تأكل في آنية الذهب