ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٧١
في الجواب من النجاسات ما له عين و لا يتصوّر تطهير الشمس لها إلّا أن يتوسّط الماء المزيل للعين و منها الحمل على التقية لموافقتها لمذهب جماعة من العامة
و لا يخفى أن التأويل الأول أقرب التأويلات و أجاب المصنف عن الوجه الثاني بأن حكم الاستصحاب ثابت مع بقاء الأجزاء النجسة أما مع عدمها فلا و التقدير عدمها بالشمس و لا يخفى أن هذا الجواب من المصنف غير موافق لما هو المعهود من مذهبه من قبول مثل هذه الاستصحاب نعم هو موافق للتحقيق الذي أشرنا إليه مرارا وفاقا لما ذهب إليه جماعة من المحققين من أن الحكم بالبقاء و الاستمرار تابع للدليل الدال على الحكم فإن دل على الاستمرار ثبت و إلّا فلا و من تتبع يعلم أن ما دل من النصوص على بقاء حكم النجاسة و إن لم تبق أعيانها مختصّة بالبدن و الثوب و الآنية و إنما التعويل فيه فيما عدا ذلك على الإجماع و من الظاهر أن الإجماع لا يقتضي انسحاب الحكم و استمراره إذ القدر الثابت منه ثبوت الحكم في الحالة الأولى و إثباته في الحالة الثانية يحتاج إلى دليل و ليس هاهنا ما يصلح لذلك
و نعم ما قال بعض المحققين من أن الاستصحاب المردود أكثر ما يكون فيما يدرك المسألة الإجماع إذا عرفت هذه الجملة
فاعلم أن الظّاهر عندي في هذه المسألة الطّهارة عند الخصوصيتين المذكورتين أما الطّهارة فلصحيحة زرارة السّابقة و ترجيحه على خبر محمد بن إسماعيل لبعد التأويل فيها و اعتضادها بالشهرة بين الأصحاب و برواية أبي بكر الصّالحة للتأييد و بصحيحة زرارة السّابقة أيضا و بالعمومات الدالة على طهورية التراب إلّا ما أخرج بالدليل
فإن قلت صحيحة زرارة مختصة بالأرض قلت قوله المكان الذي أصلي فيه في الخبر المذكور شامل لمثل البواري و الحصر عرفا و لعلّ هذا مع عدم ظهور القائل بالفصل و عموم رواية أبي بكر كاف في الدلالة على التعميم و أما اعتبار الاختصاص بالبول فلعدم شمول الصّحيحة المذكورة لغيره و رواية أبي بكر و إن كانت عامة إلّا أنها ضعيفة السّند و الدلالة فلا تصلح لتأسيس الحكم
و أما رواية عمار فمع كونها ضعيف السّند غير دال على الطّهارة فإن قلت يستفاد من خبر عمار جواز السّجود فيما جفّفه الشمس من البول و غيره و ذلك إما باعتبار الطهارة في الجميع أو العفو في الجميع من دون الطّهارة أو الطّهارة في البعض و العفو في البعض لا سبيل إلى الثاني لأن صحيحة زرارة دالة على الطّهارة في البعض و لا إلى الثالث لعدم القائل به فثبت الأول و أيضا كما أنه لم يدل الدليل في غير البول على حصول الطهارة على ما ذكرت فلم يدل على بقاء النجاسة أيضا فيكون العام الدال على طهارة التراب دالّا على طهارته و إذا ضم عدم القائل بالفصل انسحب الحكم في غير التراب أيضا
قلت لما ذكرت وجه إلّا أن إثبات عدم القائل بما ذكر في الوجهين لا يخلو عن إشكال فيشكل التعويل عليه و أما التخصيص الثاني فلعدم دليل واضح على ثبوت الحكم في غير المواد المخصوصة
و لا يخفى أن في صورة انتفاء إحدى الخصوصيّتين المذكورتين لا دليل على النجاسة أيضا إلّا أن اليقين بالبراءة من التكليف بتطهير البدن و الثوب في الصلاة يقتضي تنزيه البدن و الثياب عن ملاقاة الموضع بالرطوبة و ينبغي التنبيه على أمور
الأوّل إذا يبس الموضع بغير الشمس ثم صبّ عليه ماء مطهّر فجففته فالمشهور بين المتأخرين حصول الطهارة و يؤيده خبر زرارة السّابقة المذكورة في الكافي و التهذيب و رواية محمد بن إسماعيل ببعض التأويلات و يؤيد النجاسة مفهوم خبر زرارة و خبر عمار عند التأمّل و الحق أنه لا يصلح شيء من ذلك للدلالة فالمسألة محل تردّد
الثاني جمهور الأصحاب على أن الجفاف الحاصل بغير الشمس لا يثمر طهارة و نقل المصنف إجماع الأصحاب عليه و قال الشيخ في الخلاف الأرض إذا أصابها نجاسة قبل البول و ما أشبهه و طلعت عليها الشمس أو هبت عليها الريح حتى زالت عين النجاسة فإنها تطهر و يجوز السجود عليها و التيمم بترابها و إن لم يطرح عليها الماء
و احتج بإجماع الفرقة و قوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً قال و الطيب ما لم يعلم فيه نجاسة و معلوم زوال النجاسة عن هذه الأرض و إنما يدعى حكمها و ذلك يحتاج إلى دليل و قال في موضع آخر و إن جف بغير الشمس لم يطهر و نقل المصنف في المختلف أن ابن إدريس أخذ ذلك على الشيخ قال و الظاهر أن مراد الشيخ بهبوب الريح المزيلة للأجزاء الملاقية للنجاسة الممازجة لها و ليس مقصود الشيخ ذهاب الرطوبة عن الأجزاء كذا بها بحرارة الشمس و فيه تعسف
و يمكن توجيه قول الشيخ بأن الدليل الدال على بقاء النجاسة بعد زوال العين هو الإجماع و الشيخ قد ادعى الإجماع في محل النزاع فلا أقل من أن يكون ذلك دليلا على انتفاء الإجماع على خلافه و إذا لم يثبت الإجماع على بقاء النجاسة كان الظاهر الطهارة بمقتضى العمومات التي أشرنا إليه
و يؤيده ذكر الريح في خبر زرارة نعم رواية عمار دلت على النجاسة لكن عدم صحة سندها يمنع التعويل عليه عند من لم يعمل بالموثقات و أما نحن فنرى العمل بها و ربما يستشهد للشيخ بما رواه الصّدوق في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى ٧ قال سألته عن البيت و الدار لا يصيبهما الشمس و يصيبهما البول و يغتسل فيهما من الجنابة أ يصلّى فيهما إذا جفا قال نعم و بقرينة أن الإذن في الصّلاة مطلقا يقتضي عدم الفرق بين رطوبة الجبهة و يبوستها و ذلك دليل الطهارة إلّا أن هذا الفهم فيما نحن فيه يقتضي حصول الطهارة بمطلق الجفاف إذ لا تعرض في الخبر للريح و لا قائل بالعموم فيما يعلم و ربما يجعل ذلك وجها لحمل الخبر على إرادة الجفاف الحاصل بالريح ليسلم من إشكال المخالفة لما عليه الأصحاب
و لا يخفى أن تأويل الخبر بما أشرنا إليه سابقا ليس أبعد من ارتكاب التخصيص فإذن يضعف الاستشهاد
الثالث عد جماعة من المتأخرين فيما تطهر الشمس مما لا ينقل الثمرة على الشجرة و صرح المصنف في النهاية بخلافه و لا يخفى أن إلحاقها بالمنقول إذا كان أوان القطع أولى
الرابع ذكر جماعة من المتأخرين أن الباطن فيما تطهره الشمس كالطاهر فيطهر إذا جف الجميع و كانت النجاسة متصلة أما مع الانفصال كوجهي الحائط إذا كانت النجاسة فيها غير خارقة فتختص الطهارة بما صدق عليه الإشراق و هو حسن و تطهر النار ما أحالته و صيّرته رمادا من الأعيان النجسة على المشهور بين الأصحاب
و تردد فيه المحقق في الشرائع احتج الشيخ في الخلاف للطّهارة بإجماع الفرقة و بما رواه الحسن بن محبوب في الصحيح أنه سأل أبا الحسن ٧ عن الجصّ يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى و يجصص به المسجد أسجد عليه فكتب إليه بخطه إن الماء و النار قد طهراه قال المحقق و في احتجاج الشيخ إشكال أما الإجماع فهو أعرف به و نحن فلا نعلمه
و أما الرواية فمن المعلوم أن الماء الذي يمازج الجص و هو ما يحيل به و ذلك لا يطهر إجماعا و النار لم يصيره رمادا و قد اشترط صيرورة النجاسة رمادا و صيرورة العظام و العذرة رمادا بعد الحكم بنجاسة الجص غير مؤثر طهارته
ثم قال و يمكن أن يستدل بإجماع الناس على عدم التوقي من دواخن السراجين النجسة فلو لم يكن طاهرا بالاستحالة لتورعوا منه و قريب منه كلام المصنف في المنتهى و محصّل الإشكال من وجهين باعتبار إسناد التطهير إلى الماء و ذلك لأن تطهير الماء إما أن يكون لنفس الجصّ أو للعذرة الموقدة عليه لا وجه للأول لأنّ تطهيره للجصّ فرع حصول النجاسة له و في نجاسته بدخان الأعيان النجسة إشكال و على تقدير تسليم حصول النجاسة له كيف يطهر بالماء الممازج مع أنه غير مطهر إجماعا و لا وجه للثاني لأن العذرة الموقدة عليه إن خرجت عن حقيقتها خروجا يوجب دخولها في حقيقة الأجسام الطاهرة لم يحتج إلى تطهير الماء لها فلم يصلح إسناد التطهير إلى الماء و إن بقيت على ما كانت عليها لم يفدها الماء طهارة الثاني باعتبار إسناد التطهير إلى النّار و ذلك لما عرفت من أن ذلك فرع حصول النجاسة للجص
و فيه إشكال و على تقدير التسليم لم يصيره النار رمادا فكيف يطهره
و يمكن الجواب بأن مراد السّائل أن العذرة الموقدة على الجص يختلط به و غرضه استعلام حالها بعد الإحراق فإنها لو كانت نجسة لزم نجاسة الجص المختلط بها لملاقاتها له برطوبة الماء الممتزج به فأجاب ٧ بأن الماء و النار قد طهراه على أن يكون المراد من الطهارة المسندة إلى الماء معناها اللغوي لأن الماء يفيد الجصّ نوع تنظيف يوجب إزالة النفرة الحاصلة من اشتماله على العذرة و العظام المحرقة و هذا غير مناف لإرادة المعنى الشرعي من تطهير النّار إذ لا مانع من الجمع بين المعنى الحقيقي و المجازي إذا دلت القرينة عليه
و يحتمل أن يراد فيهما المعنى المجازي و يكون الطهارة الشرعية مستفادة بما علم من الجواب ضمنا و على هذا فاندفع الإشكال بحذافيره و قد يقال يمكن أن يقال أن المراد بالماء في كلامه ٧ ماء المطر الذي يصيب أرض المسجد المجصّصة بذلك الجص إذ ليس في الحديث أن ذلك المسجد كان مسقفا و أن المراد يوقد عليه بحيث يختلط به تلك الأعيان كأن يوقد بها من فوقه مثلا لكن يبقى إشكال آخر و هو أن النار إذا طهرته أولا فكيف يحكم بتطهير الماء له ثانيا انتهى
و قد يستدل على الطهارة بالأصل و بأن الحكم بالنجاسة متعلق على الاسم فيزول بزواله و الوجه الثاني يقتضي عدم الحكم بالنجاسة لا الحكم بالطهارة و أما الأول ففيه لما قد أشرنا إليه مرارا من أن الاستناد إلى الأصل في الحكم بالطهارة لا يخلو عن إشكال لأنه حكم شرعي يتوقف على