ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٦٠
الأصل هو الطهارة بمعنى براءة الذمة من التكليف بواحد من الأمرين و اعتبار هذا التّوجيه في الحكم الأول أولى
و قد تلخص ممّا حكيناه توجيهات ثلاثة للحكم الثاني أما الأول ففيه نظر لما ذكر من عدم جريان القاعدة فيها و لو سلم فلا نسلم صحة القاعدة المذكورة إذ غاية ما يستفاد عند السّلامة عن أمارة الخلاف الظن بناء على أن إلحاق الفرد بالأغلب مظنون و حجية هذا الظّن يحتاج إلى دليل
و أما الثاني فإن قصد أن الأصل طهارة الأشياء بحكم العقل ففيه نظر و إن قصد أن الأصل طهارتها بالدليل فحسن لكن كان الأولى الإشارة إليه
و أما الثالث ففيه نظر لأنه قد ثبت التكليف بالصّلاة و اشتراطها بطهارة الثياب فتحصيل اليقين بالبراءة يكون موقوفا على العلم بالطّهارة و هو منتف فيما نحن فيه فالأولى التمسك في الحكم المذكور بقول الصادق ٧ في موثقة عمار كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر
و تؤيده رواية عبد اللّٰه بن سنان قال سأل أبي أبا عبد اللّٰه ٧ و أنا حاضر أني أعير الذميّ ثوبي و أنا أعلم أنه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرد علي فأغسله قبل أن أصلّي فيه فقال أبو عبد اللّٰه ٧ صل فيه و لا تغسله من أجل ذلك فإنك أعرته إياه و هو طاهر و لم تستيقن أنه نجسه لا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه و قد مر ما يدل عليه في مسألة الإناءين المشتبهين
و أما الحكم الأول ففيه إشكال لما عرفت من ضعف القاعدة و وقوع التعارض بين أدلة العفو و الأدلة الدالة على وجوب إزالة الدم و إمكان التخصيص في كل منهما و لقائل أن يرجح عدم العفو بناء على أن اليقين ببراءة الذمة يتوقف عليه فتدبر جدا
الخامس قال المصنف في النهاية لو كان الدم اليسير في ثوب غير ملبوس أو في متاع أو في آنية أو آلة فأخذ ذلك بيده و صلّى و هو حامل له احتمل الجواز لعموم الترخيص و المنع لانتفاء المشقة
و فيه نظر لمنع عموم الترخيص و منع كون العلة في الترخيص هي المشقة حسب و الأول أقوى للأصل السّالم عن المعارض فإن الحكم بوجوب طهارة لباس المصلي على خلاف الأصل مستفاد من الأدلة المختصة به فلا ينسحب في غيره إلّا بدليل آخر و ليس فليس
غير الثلاثة لا نعرف بين الأصحاب خلافا في أنّ دم الحيض لا يعفى عن كثيره و قليله في الصّلاة و في عبارة المعتبر إشعار بعدم الخلاف حيث نسب هذا الحكم إلى الأصحاب و تدل عليه رواية أبي سعيد المكاري عن أبي بصير عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه ٨ قال لا تعاد الصّلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض فإن قليله و كثيره في الثوب إن رآه و إن لم يره سواء
قال المحقق لا يقال الراوي عن أبي بصير أبو سعيد و هو ضعيف و الفتوى موقوفة عن أبي بصير و قوله ليس بحجة لأنا نقول الحجة عمل الأصحاب بمضمونه و قبولهم له و إن أبا جعفر بن بابويه قاله و المرتضى و الشيخان و أتباعهما و ما ذكره المحقق حسن إلّا أن ما ذكره من كون الفتوى موقوفة على أبي بصير محل النظر لأن الأمر كذلك في التهذيب و أما في الكافي فمسند إلى أحدهما ٨ ثم قال و يؤيد ذلك أنّ مقتضى الدليل وجوب إزالة قليل الدم و كثيره عملا بالأحاديث الدالة على إزالة الدم كقوله ٧ لأسماء حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء و ما رواه سورة بن كليب عن أبي عبد اللّٰه ٧ عن الحائض قال تغسل ما أصاب ثيابها من الدم لكن ترك العمل بذلك في بعض الدماء لوجود المعارض فلا يجب العمل به في الباقي
و في هذا التأييد تأمّل و إن قطع النظر عن ضعف الإسناد لأنّ النسبة بين هذين الخبرين و ما دل على العفو في الناقص عن الدرهم عموم من وجه فارتكاب التخصيص في أحدهما دون الآخر يحتاج إلى دليل و لعل الحجة عمل الأصحاب و اتفاقهم لأن أحد التأويلين إذا وافق عمل الطائفة فهو أولى و بذلك يندفع ضعفهما و على أنه إذا لم يثبت الترجيح كان العمل بالخبرين متعينا لتوقف اليقين بالبراءة من التكليف الثابت عليه
و أما المناقشة على كلامه بأنه لم يظهر في الأخبار المعتمدة حديث مطلق في إيجاب إزالة الدم بحيث يصلح لتناول القليل من دم الحيض بل هي إما ظاهرة في الكثير أو مفروضة في غير دم الحيض فمندفع بما أشرنا إليه في مبحث نجاسة الدم من أنه يستفاد من الأخبار بحسب القرائن إيجاب إزالة الدم مطلقا
و قد يقال يمكن التمسك في هذا الحكم بالأخبار الدالة على منافاة نجاسة ثوب المصلي لصحّة صلاته فإن ذلك واردة في عدة أحاديث معتبرة و من البين أن ملاقاة دم الحيض و إن قل مقتضية للتنجيس و يعضد هذا الاعتبار ظاهر قوله تعالى وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ بملاحظة وجوب التأسي على ما هو محقق في الأصول و دليل العفو عن قليل الدم غير صالح التناول دم الحيض فلا مقتضي لخروجه عن عموم الحكم المستفاد من تلك الأخبار و فيه نظر لأن الظاهر من الأخبار الدالة على العفو العموم فيختص به عموم الأخبار المذكورة فارجع و تدبر
و أما دم الاستحاضة و النفاس فقد نسب المحقق إلى الشيخ إلحاقهما بدم الحيض في الحكم المذكور ثم قال و لعله نظر إلى تغليظ نجاسته لأنه يوجب الغسل و اختصاصه بهذه المزية يدل على قوة نجاسته على باقي الدماء فغلظ حكمه في الإزالة و قد يوجه إلحاق النفاس بأنه دم حيض محتبس
و في التوجيهين تأمّل أما الأول فظاهر و أما الثاني فلأن الحكم معلّق على دم الحيض و هو غير صادق على النفاس و دم نجس العين قال المحقق و ألحق بعض فقهاء العجم منا دم الكلب و الخنزير و لم يعطنا العلة و لعله نظر إلى ملاقاة جسدهما و نجاسة جسدهما غير معفو عنه
و قد حكى المصنف في المختلف عن الراوندي و ابن حمزة إلحاق دم الكلب و الخنزير و الكافر بالدماء الثلاثة و عن ابن إدريس منعه مدعيا أنه خلاف إجماع الإمامية ثم اختار الإلحاق استنادا إلى توجيه يرجع محصّله إلى ما أشار إليه المحقق و الحق أن الأخبار الدالة على العفو شاملة لدم نجس العين و شموله له يجري مجرى النطق به فإخراجه عنه يحتاج إلى دليل خاص و ما يقال من أن الحيثية مرعية في جميع هذه المواضع و الحكم منوط بها فالعفو متعلق بنجاسة الدم من حيث هي فإذا انضم إليها حيثية أخرى كملاقاة جسم نجس كان لتلك الحيثية المنضم إليها حكم نفسها
و فيه نظر لمنع دلالة الكلام على الحيثية المذكورة و قد ذكرنا نظير ذلك و أوضحناه في مسألة النزح لموت الإنسان في البئر على أن استفادة النجس نجاسة أخرى من ملاقاة النجاسة يحتاج إلى دليل فإن الإجماع لا يساعد عليه و لا دليل له سواه فتدبر
و عفي أيضا عن نجاسة ما لا يتم الصّلاة فيه حال كونه منفردا كالتكة و الجورب و شبههما في محالها و إن نجسا بغير الدم لا نعرف في أصل هذا الحكم خلافا بين الأصحاب و إن اختلفوا في تفصيله و تدل عليها روايات كثيرة منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان عمن أخبره عن أبي عبد اللّٰه ٧ في الرّجل يصلي في الخف الذي قد أصابه قذر فقال إذا كان ممّا لا يتم فيه الصّلاة فلا بأس و هذه الرواية من الروايات المعتمدة و الإرسال فيها غير ضائر لأن الراوي عن حماد بن عثمان صفوان بن يحيى و الظاهر من علوّ درجته و جلالة قدره أنه لا يروي إلّا ما صح عنده و لهذا أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه و كذا حماد بن عثمان ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه فالظاهر أنه لا يروي إلّا عن الثقات
و منها ما رواه عن زرارة في الموثق عن أحدهما ٨ قال كل ما كان لا يجوز فيه الصّلاة وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشيء مثل القلنسوة و التكة و الجورب و ما رواه زرارة أيضا قال قلت لأبي عبد اللّٰه ٧ إن قلنسوتي وقعت في بول فأخذتها فوضعتها على رأسي ثم صليت فقال لا بأس و ما رواه عن إبراهيم بن أبي البلاد عمن حدثهم عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال لا بأس بالصلاة في الشيء التي لا تجوز الصّلاة فيه وحده يصيبه القذر مثل القلنسوة و التكة و الجورب
و ما رواه عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال كل ما لا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس بالصّلاة فيه مثل التكة الإبريسم و القلنسوة و الخف و الزنار يكون في السّراويل و يصلى فيه و ما رواه عن عبد اللّٰه بن سنان عمن أخبره عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال كل ما كان على الإنسان أو معه ممّا لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يصلّى فيه و إن كان فيه قذر مثل القلنسوة و التكة و الكمرة و النعل و الخفين و ما أشبه ذلك و ضعف الإسناد في هذه الأخبار غير قادح لأن التحاق بعضها ببعض مع اعتضادها بالشهرة و عمل الأصحاب و مخالفة العامة و عدم المعارض يكفي ناهضا بإثبات المدعى
إذا عرفت هذا فاعلم أن المحقق و الشهيد في أكثر كتبه و جماعة من المتأخرين عمّموا الحكم في كل ما لا يتم فيه الصّلاة منفردا سواء كان ملبوسا أو محمولا و ابن إدريس خص الحكم بالملبوس و اختاره المصنف و زاد قيدا آخر و هو أن يكون في محالها و تبعه في القيدين الشهيد في البيان و نقل عن قطب الراوندي قصر الحكم على خمسة أشياء القلنسوة و التكة و الجورب و الخف و النعل و الأقرب الأول للأصل فإن غاية ما يستفاد من الأدلة وجوب طهارة ثياب المصلّي من النجاسة أما طهارة محموله فلا دليل عليه و تعضده مرسلة عبد اللّٰه بن سنان و إطلاق رواية زرارة السّابقتان فروع
الأول ألحق الصدوق بما ذكر العمامة استنادا إلى أن الصّلاة لا تتم فيها وحدها و هو المنقول عن والده في الرسالة و حكى في المعتبر عن الراوندي أنه قال يحمل على عمامة صغيرة كالعصابة لأنها لا يمكن ستر العورة بها و بالجملة حملها على العمامة الكبيرة مشكل لأنه يمكن ستر العورة بها
و يمكن أن يكون المراد أنه لا يمكن ستر العورة بها إذا كانت على تلك الكيفية المخصوصة و المسألة محل إشكال الشك في صدق الثوب على العمامة عرفا و إذا لم يصدق عليها الثوب كان القول بالإلحاق متجها لأن الدليل الدال على وجوب تطهير لباس المصلّي مختص بالثوب فيبقى غيره على الأصل