ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٥٨
المعالم و فيه تأمّل لأن ذلك خلاف الظّاهر من الأخبار
الثاني إذا لاقى هذا الدّم جسم برطوبة ثم لاقى الجسم بدن صاحب الدّم أو ثوبه فهل يثبت فيه العفو أم لا فيه وجهان استقرب ثانيهما المصنف في المنتهى و النهاية قصر للرّخصة على مورد النص و لم أطلع على هذا الفرع في كلام غيره لكنهم ذكروا نظيره في الدم القليل المعفو عنه فاختار جماعة العفو بتقريب أنّ المتنجّس بالشيء أضعف حكما منه و هذا التقريب يجري هاهنا و يمكن أن يستفاد من الروايات ثبوت العفو في العرق و نحوه ممّا يقع الانفكاك عنه نادرا
الثالث ذكر المصنف في عدة من كتبه أنه يستحب لصاحب القروح و الجروح غسل ثوبه في كل يوم مرة و احتج عليه بأن فيه تطهيرا غير شق فكان مطلوبا لرواية سماعة قال سألته عن الرّجل به القرح أو الجروح فلا يستطيع أن يربطه و لا يغسل دمه قال يصلّي و لا يغسل ثوبه إلا كل يوم مرّة فإنه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كل ساعة و الوجه الأول ضعيف و أما الثاني فغير بعيد التعويل عليه و إن كان الخبر ضعيفا بناء على ما عرفت مرارا من المساهلة في أدلّة السّنن
و عن ما دون سعة الدرهم البغلي من الدم المسفوح مجتمعا نقل المصنف و المحقق و غيرهما إجماع الفرقة عليه و لم ينقل أحد منهم خلافا في هذه المسألة إلّا أنه يلوح من كلام ابن أبي عقيل نوع مخالفة فيها فقد حكى عنه المصنف في المختلف أنه قال إذا أصاب ثوبه دم فلم يره حتى صلى فيه ثم رآه بعد الصّلاة و كان الدم على قدر الدّينار غسل ثوبه و لم يعد الصّلاة و إن كان أكثر من ذلك أعاد الصّلاة و لو رآه قبل صلاته أو علم أن في ثوبه دما و لم يغسله حتّى صلّى غسل ثوبه قليلا كان الدم أو كثيرا
و قد روي أنه لا إعادة عليه إلّا أن يكون أكثر من مقدار الدينار و تدل عليها صحيحة عبد اللّٰه بن أبي يعفور قال قلت لأبي عبد اللّٰه ٧ ما تقول في دم البراغيث قال ليس به بأس قال قلت أنه يكثر و يتفاحش قال و إن كثر قال قلت فالرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلي ثم يذكر بعد ما صلّى أ يعيد صلاته قال يغسله و لا يعيد صلاته إلّا أن يكون مقدار الدّرهم مجتمعا فيغسله و يعيد الصّلاة و حسنة محمد بن مسلم قال قلت له الدم يكون في الثوب علي و أنا في الصلاة قال إن رأيته و عليك ثوب غيره فاطرحه و صلّ و إن لم يكن عليك غيره فامض في صلاتك و لا إعادة عليك و ما لم يزد على مقدار الدرهم من ذلك فليس بشيء رأيته أو لم تره فإذا كنت قد رأيته و هو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله و صليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه
و رواية إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر ٧ قال في الدم يكون في الثوب إن كان أقل من قدر الدّرهم فلا يعيد الصّلاة و إن كان أكثر من قدر الدرهم و كان رآه فلم يغسله حتى صلى فليعد صلاته و إن لم يكن رآه حتى صلّى فلا يعيد الصّلاة و مرسلة جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه ٧ أنهما قالا لا بأس بأن يصلّي الرّجل في الثوب و فيه الدم متفرقا شبه النضح و إن كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس به ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم
و كذا نقل المصنف في غير واحد من كتبه اجتماع الفرقة على عدم العفو عن الزائد عن الدرهم و يدل عليه الأخبار الدالة على نجاسة الدم و ما دل على وجوب طهارة الثوب في الصّلاة و الأخبار المذكورة في هذه المسألة و اختلف الأصحاب فيما كان بمقدار الدرهم فذهب الأكثر منهم الصدوقان و الشيخان و الفاضلان إلى وجوب إزالته و المنقول عن المرتضى و سلار القول بالعفو عنه حجة الأول يرجع إلى وجوه
الأول أن مقتضى الدليل وجوب إزالة قليل النجاسة و كثيرها لقوله ٧ إنما يغسل الثوب من البول و الغائط و المني و الدم و هذا اللفظ بإطلاقه يقتضي وجوب إزالة الدم كيف كان فيترك منه ما وقع الاتفاق على العفو عنه حسب و عليه اعتمد المحقق في المعتبر
الثاني قوله تعالى وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ و هو عام تركناه فيما نقص عن الدّرهم بدليل مختص به فيبقى غيره مندرجا تحت العموم و لا يخفى أن إتمام هذا الدليل يتوقف على إثبات العموم في الآية و أن المراد بالتطهير المعنى العرفي و ذلك لا يخلو عن إشكال
الثالث صحيحة عبد اللّٰه بن أبي يعفور السّابقة فإنّها دالة على إعادة الصّلاة مع النسيان و هو ينافي العفو
الرابع مرسلة جميل بن درّاج السّابقة
الخامس رواية إسماعيل الجعفي السّابقة فإنه علق فيها الحكم بعدم الإعادة على وصف الأقلية فينتفي بانتفائه عملا بمفهوم الشرط و هذا الوجه ضعيف جدا
السادس أن الذمة مشغولة بالصّلاة يقينا و لا تحصل البراءة اليقينية إلّا بإزالته فيجب و احتج الآخرون بحسنة محمد بن مسلم السّابقة و بأن اللّٰه تعالى أباح الصّلاة في قوله إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا عند تطهير الأعضاء الأربعة فلو تعلقت الإباحة بغسل نجاسته لكان ذلك زيادة لا تدل عليها و برواية إسماعيل الجعفي فإنه علق فيها الحكم بالإعادة على وصف الأكثرية فينتفي عند انتفائه
و أجاب المصنف عن الأول بأن محمد بن مسلم لم يسنده إلى إمام و عدالته و إن كان يقتضي الإخبار عن الإمام إلّا أن ما ذكرناه من الأحاديث لا لبس فيه و عن الثاني بأن الآية لا تدل على الإباحة عند تطهير الأعضاء الأربعة بل على اشتراط تطهيرها في الصّلاة
و عن الثالث بأنه لم يذكر في الرواية حديث المساواة و المفهومان فيها متعارضان و في جوابه الأول نظر لما أشرنا إليه مرارا من أنّ ذلك غير ضائر إذ من المعلوم بحسب القرائن المتكثرة أن السّؤال في الخبر عن الإمام ٧ و لعل الحامل على نحو هذا الإضمار في هذه الأخبار أنه وقعت سؤالات متعددة في أحكام مختلفة عن إمام واحد مع اتصال بعضها بالبعض و نقلت كذلك في كتب القدماء مع التصريح باسم الإمام المسئول في أوّل السؤالات و الاعتماد على الإضمار في الباقي للاستغناء عن إيراد الظاهر ثم لما حولت تلك الأخبار إلى كتب أخرى و وقعت الاقتطاع بينها لغرض إيراد كل حكم في الباب اللائق به أو مصلحة أخرى حصلت الغفلة و وقع اللبس للمتأخرين لبعد عهدهم بالأصول
و لقد كان اللائق بالمصنفين التجنب عن مثل هذا الإجمال تجويدا لمراسم التعليم و إشفاقا على المتأخرين عنهم و قد يقال في الجواب عن الأول أنّ خبر ابن مسلم هذا معارض بخبر ابن أبي يعفور و الترجيح لذاك لكونه من الصّحاح و هذا من الحسان و على تقدير المساواة فخبر ابن مسلم أقرب إلى التأويل إذ يمكن حمل ذكر الزيادة عن مقدار الدّرهم فيه على كونها إشارة إلى أن اتفاق كون الدم بمقدار الدرهم فحسب بعيد جدّا و أن الغالب فيه الزيادة و النقصان
و مما يرشد إلى هذا قوله في رواية إسماعيل الجعفي إن كان أقل من الدّرهم فلا يعيد الصّلاة و إن كان أكثر فليعد صلاته و لم يتعرض لحال مساواته للدرهم فالظاهر أنه لا وجه لتركه إلّا بعد وقوعه
و لا يخفى أنّ هذا التأويل تأويل حسن إلا أنه لا ينحصر الجمع فيه لإمكان الجمع بحمل ما دلّ على الإعادة في مقدار الدرهم على الاستحباب و هو أيضا تأويل قريب و إثبات كون التأويل الأول أقرب لا يخلو عن إشكال فقوله خبر ابن مسلم أقرب إلى التأويل محل تأمّل
و التحقيق أنه وقع التعارض بين الروايتين و كل منهما قابل للتأويل بوجه صحيح لكن يمكن ترجيح رواية ابن أبي يعفور لصحّتها و اعتضادها بالشهرة بين الأصحاب و بمرسلة جميل و كون العمل بها موجبا لقلّة التخصيص فيما دل على وجوب إزالة الدم عن الثوب و مناسبتها لطريقة الاحتياط و تحصيل البراءة اليقينية و اعتضادها بالآية في الجملة و إن كان في دلالة الآية تأمّل
و من يتوقف في حجية الخبر الحسن خصوصا في صورة لا يسلم عن مثل هذه المعارضات يتقوى عنده هذا الترجيح و بالجملة القول المشهور لا يخلو عن قوة و مع ذلك للتردد في المسألة وجه لكن إجمال معنى الدرهم و عدم انضباط سعته ممّا ينفي فائدة هذا الاختلاف فإنه لم يبين في الروايات المراد بالدرهم و لم يثبت حقيقة شرعية فيه و لا عرف زمان الأئمّة : حتى يحمل عليه و كلام الأصحاب مختلف في تفسيره و تحديده فالمشهور بينهم أنه الدرهم الوافي المضروب من درهم و ثلث ذكره الصّدوق و المفيد و الشيخ و ابن زهرة و غيرهم إلّا أن الشيخ لم يذكر لفظة الوافي و لم يذكروا هؤلاء أنه مسمّى بالبغلي
و قال المحقق في المعتبر الدرهم هو الوافي الذي وزنه درهم و ثلث و سمي البغلي نسبة إلى قرية بالجامعين و قريب منه كلام المصنف في التذكرة و المحكي عن جماعة من المتأخرين أنه على هذا التفسير مفتوح العين مشدد اللام و يظهر من كلام المصنف أن الدرهم المعفو عنه يسمّى بالبغلي اتفاقا و قال ابن إدريس إنه الدّرهم الوافي المضروب من درهم و ثلث و بعضهم يقول دون قدر الدرهم البغلي منسوب إلى مدينة قديمة يقال لها بغل قريبة من بابل بينها و بينها قريب من فرسخ متصلة ببلدة الجامعين تجد فيها الحفرة و الغسالون دراهم واسعة شاهدت درهم من تلك الدراهم و هذا الدرهم أوسع من الدينار المضروب بمدينة السلم المعتاد تقرب سعته من سعة أخمص الراحة
و قال لي بعض من عاصرته ممّن له علم بأخبار الناس و الأنساب إن المدينة و الدرهم منسوبة إلى ابن أبي البغل رجل من كبار أهل الكوفة اتخذ هذا الموضع قديما و ضرب هذا الدرهم الواسع فنسب إليه الدرهم البغلي و هذا غير صحيح لأن الدّراهم البغلية كانت في زمن الرّسول ٧