ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٥٦
حمل الآخرون الروايتين على الاستحباب و استندوا في الحكم بالطّهارة إلى الأصل و إذ الإبل الجلالة ليست نجسة فلا ينجس عرقها كغيره من الحيوانات و فيه إشكال لأن الحمل على الندب على طريقتهم إنما يصحّ عند وجود المعارض و هو منتف هاهنا و التمسّك بالأصل إنما يصح عند عدم المخرج و القياس على سائر الحيوانات ضعيف فتدبر
الثالث أوجب الشيخ في النّهاية غسل ما يصيبه الثعلب أو الأرنب أو الفأرة أو الوزغة من الثوب أو البدن مع الرطوبة مع أنه ينافي باب المياه عما وقعت فيه الفأرة من الماء الذي في الآنية إذا خرجت منه و كذا إذا شربت و جعل الأفضل ترك استعماله على كل حال و اقتصر المفيد على الفأرة و الوزغة فجعلهما كالكلب و الخنزير في غسل الثوب إذا مساه برطوبة و أثرا فيه و حكي عن أبي الصّلاح القول بنجاسة الثعلب و الأرنب و هو قول ابن زهرة و للصدوقين كلام يؤذن بنجاسة الوزغ
و ذهب ابن إدريس إلى طهارة الجميع و اختاره الفاضلان و حكاه المصنف عن والده و إليه ذهب جمهور المتأخرين و هو أقرب لنا الأصل المعتضد بصحيحة الفضل أبي العباس السّابقة مرارا أو لنا على خصوص الثعلب رواية الحسن بن شهاب قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن جلود الثعالب إذا كانت ذكية أ يصلى فيه قال نعم لا بأس و الحسن راوي هذا الخبر مجهول إلّا أنه يرويه صفوان عن جميل عنه و هذا قرينة واضحة على كونه من المعتمدين فيكون الخبر من الأخبار المعتبرة
و تؤيده رواية عبد الرحمن الحجاج قال سألته عن اللّحاف من الثعالب و الجرز منه أ يصلى فيها أم لا قال إذا كان ذكيا فلا بأس و على خصوص الفأرة و الوزغة صحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه موسى ٧ قال سألته عن العظاية و الحية و الوزغ تقع في الماء فلا تموت أ يتوضأ منه للصّلاة قال لا بأس و سألته عن فأرة وقعت في حب دهن فأخرجت منه قبل أن تموت أ يبيعه من مسلم قال نعم و يدهن منه و صحيحة سعيد الأعرج قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن الفأرة تقع في السمن و الزيت ثم تخرج منه حيّا قال لا بأس بأكله
و رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّٰه ٧ إن أبا جعفر ٧ كان يقول لا بأس بسؤر الفأرة إذا شربت من الإناء أن يشرب منه و يتوضّأ منه احتج المخالف بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى ٧ قال سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء تمشي على الثياب أ يصلى فيها قال اغسل ما رأيت من أثرها و لم تره فانصحه بالماء و مرسلة يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال سألته هل يجوز أن يمس الثعلب و الأرنب أو شيئا من السّباع حيّا أو ميّتا قال لا يضره و لكن يغسل يده
و رواية عمار السّاباطي عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال سئل عن الكلب و الفأرة إذا أكلا من الخبز و شبهه قال يطرح منه و يؤكل الباقي و عن العظاية تقع في اللبن قال يحرم اللبن و قال إن فيها السم و صحيحة معاوية بن عمّار قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن الفأرة و الوزغة تقع في البئر قال ينزح منها ثلاثة دلاء و لو لا نجاسة الوزغة لم يجب لها النزح بالموت و إن موت ما لا نفس له غير مؤثر في التنجيس و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى ٧ قال سألته عن الفأرة و الكلب إذا أكلا من الخبز أو شماه أ يؤكل قال يطرح ما شماه و يؤكل ما بقي
و الجواب أن هذه الأخبار معارضة بما دلّ على الطّهارة و حملها على استحباب التنزه غير بعيد و رواية يونس ضعيفة السّند للإرسال و كون الرّاوي عنه محمد بن عيسى و هو ممّا يوجب ضعفها كما مر و احتج ابن زهرة لنجاسة الثعلب و الأرنب بالإجماع على ما هو دأبه في أكثر المسائل و جوابه المنع من ثبوته
الرّابع ذهب الشيخ في بعض كتبه إلى نجاسة المسوخات على ما حكي عنه و عزي ذلك إلى سلار و ابن حمزة و عن بعض الأصحاب الحكم بنجاسة لعابهما و الأكثر على طهارة غير الخنزير منها عينا و لعابا و هو أقرب للأصل المعتضد بصحيحة الفضل أبي العباس حجة القائلين بالتنجيس أنّ بيعها محرّم و لا وجه لذلك إلّا النجاسة و احتجوا على الأوّل برواية مسمع عن أبي عبد اللّٰه ٧ أن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)نهى عن القرد أن يشترى أو يباع و الجواب أولا منع الأول لضعف الرواية مع اختصاصها بالقرد و ثانيا بمنع الثاني إذ لا دليل على انحصار المقتضي فيما ذكره
الخامس المنقول عن ظاهر كلام ابن الجنيد نجاسة لبن الصبية لرواية النوفلي عن السّكوني عن جعفر عن أبيه أن عليا ٧ قال لبن الجارية و بولها يغسل منه الثوب قبل أن يطعم لأن لبنها يخرج من مثانة أمها و خالف في ذلك جمهور الأصحاب استضعافا للرواية و أوردها الصدوق ره فيمن لا يحضره الفقيه و الظاهر من القاعدة التي مهدها من أنه لا يورد فيها إلّا ما يفتي به و يحكم بصحته أنه موافق لابن الجنيد إلّا أن يقال الرواية ليست بصريحة في النجاسة و لا في وجوب الغسل فحملها على الاستحباب غير بعيد كما نقل عن جماعة من الأصحاب
السّادس قال المحقق ما يولد من النجاسات كدود الحش و صراصره ففي نجاسته تردد وجه النجاسة أنها كائنة من النجاسة فتبقى على النجاسة و وجه الطهارة الأحاديث الدالة على طهارة ما مات فيه حيوان لا نفس له من غير تفصيل و ترك التفصيل دليل إرادة الإطلاق و لأن تولده في النجاسة معلوم أما منها فغير معلوم فلا يحكم بنجاسته و قوة توجيه جانب الطهارة غير خفي على أنه لو سلم كونها متولّدة من النجاسة لا يلزم منه نجاستها إذ لا نسلم نجاسة ما تولد من النجاسة مطلقا و نجاسة ولد الكلب ليس باعتبار التولد منه بل باعتبار صدق الاسم و قد ذكر ذلك كله المصنف جازما بالطّهارة
و تجب إزالة النجاسات
عن الثوب و البدن للصّلاة وجوبا مشروطا بوجوب الغاية و كون النجاسة ممّا لا تعفى عنها و لم يكن عنده غير الثوب النجس و لعلّ إطلاق المصنف اعتماد على الظهور و هذا الحكم إجماعي بين الأصحاب حكاه في المعتبر و المشهور أنه لا فرق بين قليل النجاسة و كثيرها إلّا في الدم فإن فيه تفصيلا تمسّكا للأحاديث المطلقة الدالة على وجوب إزالة النجاسات من غير تفصيل
و نقل عن ابن الجنيد أنه قال كل نجاسة وقعت على ثوب و كانت عينها فيه مجتمعة أو منقسمة دون سعة الدّرهم الذي يكون سعته كعقد الإبهام الأعلى لم ينجس الثوب بذلك إلّا أن تكون النجاسة دم حيض أو منيا فإنّ قليلهما و كثيرهما سواء و المعروف أن خلافه في العفو و هو خلاف ظاهر كلامه فلعلّ في عبارته توسعا و في المعتبر أسند إليه القول بالعفو هنا وفاقا لما هو المعروف و في حكم الدم نسب إليه القول بطهارة القليل منه و لم نقف لابن الجنيد على مستند و قد احتج له المصنف في المختلف بالقياس على الدم و أجاب عنه بأن نجاسة المذكورات أغلظ من الدم فقياس حكمها على المني أولى
و الطواف هذا هو المشهور بين الأصحاب استنادا إلى قوله ٧ الطواف بالبيت صلاة و فيها قصور من حيث السّند و المتن و سيجيء تحقيق المسألة في محله إن شاء اللّٰه تعالى
و دخول المساجد هذا الحكم مشهور في كلام الأصحاب و قال الشهيد الظّاهر أنه إجماعي و نقل عن الشيخ أنه قال في الخلاف لا خلاف في أن المساجد يجب أن تجنب النجاسة و نقل ابن إدريس إجماع الأمة عليه و استدلوا عليه بقوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ رتب النّهي على النجاسة فيكون تقريبها حراما و متى ثبت التحريم في المسجد الحرام ثبت في غيره لعدم القائل بالفصل و لقول النبي٦جنبوا مساجدكم النجاسة و للإجماع على منع الكفّار و الظاهر أن العلة هي النجاسة و بقوله تعالى وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ و بقوله تعالى طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ و بالأمر بتعاهد النعل و لوجوب تعظيم شعائر اللّٰه و في الكل نظر لأنا لا نسلم أن المراد بالنجس في الآية المعنى الشرعي لا بد بذلك من دليل
سلمنا لكن النهي مرتب على نجاسة المشرك لا على النجاسة مطلقا حتى يلزم الانسحاب في غيره سلمنا لكن يجوز تخصيص الحكم بالمسجد الحرام و عدم القائل بالفصل غير ثابت و عدم العلم بالشيء غير مستلزم لعدمه و أمّا الخبر فسنده غير معلوم و ذكر ذلك الشهيد و غيره فالتمسّك به لا يخلو عن إشكال و لا يبعد أن يقال اشتهار مدلوله و العمل به يكفي لجبر ضعفه و الإجماع على منع الكفار غير دال على المدعى لمنع كون العلة هي النجاسة مطلقا و أما قوله تعالى وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ فعلى تقدير تسليم كون المراد بالطهارة فيه المعنى المصطلح لا يلزم المطلق لأن الأمر فيه مطلق فلا يلزم منه الدّوام فليحمل على القدر المتيقن
و أما قوله تعالى طَهِّرٰا بَيْتِيَ فيجوز أن يكون المراد به تطهير البيت عن الأصنام و يجوز الاختصاص بالبيت الحرام و اختصاص الحكم بالشرع السابق
و أما الأمر بتعاهد النعل فمحمول على الاستحباب فلا يلزم منه المدّعى و التعظيم غير دال على المدعى فتدبر و بالجملة لو لم تكن المسألة إجماعية كان للنظر فيه مجال و لا يخفى أن ظاهر عبارة المصنف و المحقق تحريم إدخال النجاسة إلى المساجد مطلقا من غير فرق بين النجاسة المتعدية و غيرها و هو ظاهر ابن إدريس مدعيا عليه إجماع الأمة
و به صرّح المصنف في غير هذا الكتاب حتى قال في الذكرى لو كان معه خاتم نجس و صلى في المسجد لم تصح صلاته و استدلوا عليه بالآية و الخبر و أنت خبير بضعف دلالة الآية و أما الخبر فعلى تقدير صحته غير دال على المدّعى فإن مجانبة النجاسة يحصل بعدم تعديها إلى المساجد و من هنا اقتصر جمع من المتأخرين على النجاسة المتعدية و هو غير بعيد اقتصارا في الحكم المخالف للأصل على موضع الوفاق
و يؤيّده ما نقل الشيخ في الخلاف و الشهيد في الذكرى من الإجماع على