ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٥٤
المراد أنه بمنزلته في التحريم و خبر عبد اللّٰه بن سنان غير واضح الدلالة على أن السّائل يعتقد نجاسة الخمر لجواز أن يكون ذكره للخمر مع لحم الخنزير بناء على أنه يعتقد استخباث التحرز عنه حجة القول بالطّهارة صحيحة الحسن بن أبي سارة قال قلت لأبي عبد اللّٰه ٧ إن أصاب ثوبي شيء من الخمر أصلي فيه قبل أن أغسله قال لا بأس إن الثوب لا يسكر
و ما رواه الثقة الصدوق عبد اللّٰه بن جعفر الحميري في كتاب قرب الإسناد في الصّحيح عن علي بن رئاب قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن الخمر و النبيذ المسكر يصيب ثوبي أغسله أو أصلّي فيه قال صل فيه إلّا أن تقذره فتغسل منه موضع الأثر إن اللّٰه تبارك و تعالى إنما حرم شربها
و موثقة عبد اللّٰه بن بكير قال سأل رجل أبا عبد اللّٰه ٧ و أنا عنده عن المسكر و النبيذ يصيب الثوب قال لا بأس و رواية الحسين بن موسى الحنّاط قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن الرجل شرب الخمر ثم يمجه من فيه فيصيب ثوبي فقال لا بأس و راوي هذه الرواية غير مصرّح بالتوثيق لكن له كتاب يرويه ابن أبي عمير
و الظاهر أن جلالة شأنه يمنعه عن أن يروي عن الضعفاء مع أن الشيخ في العدّة صرّح بأنه لا يروي إلّا عن الثقات و لا يقدح روايته عمن حكم بالضّعف أحيانا لأن الغرض ممّا ذكرنا الظن بثقة المروي عنه و لا يقدح في الظن وقوع خلافه إذا كان ذلك نادرا جدا فإذن إلحاق هذه الرواية بالصّحاح غير بعيد و رواية أبي بكر الحضرمي قال قلت لأبي عبد اللّٰه ٧ أصاب ثوبي نبيذ أصلي فيه قال نعم قلت له قطرة من نبيذ قطرت في حب أشرب منه قال نعم إن أصل النبيذ حلال و إن أصل الخمر حرام
وجه الدلالة أن الظاهر عدم القائل بالفصل و حمل الشيخ النبيذ المذكور في هذه الرواية على النبيذ الحلال و هو غير بعيد و رواية الحسن بن أبي سارة قال قلت لأبي عبد اللّٰه ٧ إنا نخالط اليهود و النصارى و المجوس و ندخل عليهم و هم يأكلون و يشربون فيمر ساقيهم فيصب على ثيابي الخمر قال لا بأس به إلّا أن تغسله و رواية حفص الأعور قال قلت لأبي عبد اللّٰه ٧ الذي يكون فيه الخمر ثم يجفف يجعل فيه الخل قال نعم
و روى ابن بابويه مرسلا قال سئل أبو جعفر ٧ و أبو عبد اللّٰه ٧ فقيل لهما إنا نشتري ثيابا يصيبها الخمر و ودك الخنزير عند حياكتها أ نصلي فيه قبل أن نغسلها فقال لا نعم لا بأس إنما حرّم اللّٰه أكله و شربه و لم يحرم لبسه و مسّه و الصّلاة فيه
و روى هذا الخبر الصدوق في كتاب علل الشرائع و الأحكام بطريق صحيح عن بكير عن أبي جعفر ٧ و أبي الصباح و أبي سعيد و الحسن النبال عن أبي عبد اللّٰه ٧ و روى الشيخ في الصّحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى ٧ عن الرّجل يمر في ماء المطر و قد صبّ فيه خمر فأصاب ثوبه هل يصلّي فيه قبل أن يغسله فقال لا يغسل ثوبه و لا رجله و يصلّي فيه و لا بأس و في كتاب قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى ٧ بهذه العبارة سألته عن رجل مر في ماء مطر قد صبّ فيه خمر الحديث و روى صاحب كتاب قرب الإسناد عن عبد اللّٰه بن الحسن العلوي عن جدّه علي بن جعفر عن أخيه موسى ٧ قال سألته عن رجل مر بمكان قد رش فيه خمر قد شربته الأرض و بقي نداه أ يصلّي فيه قال إن أصاب مكانا غيره فليصلّ فيه و إن لم يصب فلا بأس
و يمكن تأويل هذه الروايات بحملها على التقية بناء على أنّ أكثر أمراء بني أمية و بني العبّاس الذين كانوا في زمن الأئمّة : و أصحاب الشوكة و السّلطنة منهم كانوا مولعين بشرب الخمر غير متحرزين عنه فغير بعيد أن يكونوا يزعمون طهارة الخمر و يرغبون إلى القول به فجاءت التقية من هذه العلّة و إن لم يكن ذلك فتوى مشهورا بين العامة
و التحقيق أنه يمكن ترجيح أخبار الطهارة لكثرة الصّحيح منها و وضوح دلالتها و بعد التأويل فيها لأن الحمل على التقية إذا لم يكن قولا معروفا بين العامة مذهبا لمشاهير العلماء و المتقين بينهم بعيد و كذا تظاهر الملوك و الأمراء بالقول به و الذهاب إليه و الإضرار بمن خالفه بحيث تجب التقية مع شذوذه بين فقهائهم و مشاهيرهم و ندرته عندهم و عدم الاعتداد بقائله منهم حتى إنّ الشيخ نفى الخلاف في نجاسة الخمر و ابن إدريس ادّعى إجماع المسلمين عليه بعيد جدا و لو كان إصرار أمرائهم و سلاطينهم على طهارته بهذه المرتبة من الشدة لكان إفتاء أكابر علمائهم و مشاهير فقهائهم على الطهارة إذ هم أولى بقبول أحكامهم و الميل إليهم و الخوف عنهم بل الظّاهر أن أمراء بني أمية و بني العباس في زمن الباقر و الصادق ٨ لم يكونوا متظاهرين بشرب الخمر علانية و إنما يفعلونه في السرّ مع أن الحمل على التقية في قوة الاطراح فلا ينبغي ارتكابه إلّا عند الضرورة و انتفاء وجه قريب و من البيّن أن حمل الأوامر و النواهي في أخبارنا على الاستحباب و الكراهة شائع ذائع حتى كأنه الحقيقة كما أشرنا إليه مرارا
فالجمع بين الأخبار بهذا الوجه أوجه مع اعتضاد أخبار الطّهارة بالأصل و العمومات الدالة على طهورية المياه على سبيل العموم و من جملتها الملاقي للخمر بل بظاهر القرآن أيضا فإنه إذا وجد ماء ملاقيا للخمر يلزم بمقتضى القول بالتنجيس الاجتناب عنه و مقتضى الآيات الوضوء و الغسل به و عدم العدول إلى التيمم و في الأخير نظر يمكن دفعه عند التأمّل
و يمكن ترجيح أخبار النجاسة لاشتهارها بين الطائفة و اعتضادها بالإجماع المنقول و كون خبر علي بن مهزيار الدالة عليه أصح ما ورد في هذا الباب مع كونه منقولا عن الإمام الأخير فيكون العمل به راجحا
و بالجملة لو لا الشهرة العظيمة و الإجماع المنقول كان القول بالطهارة متجها لكن الشهرة و الإجماع المذكور يمنعنا من الاجتراء عليه و إن كان له رجحان ما فإذن الاحتياط و ترك الفتوى فيه متجه كما يميل إليه كلام المحقق في المعتبر حيث قال بعد اختيار المشهور و الاحتجاج عليه بالآية و غيرها الوجه أن الأخبار المشار إليها من الطرفين ضعيفة و بين وجه ضعف ما نقله منها
ثم قال و ما عدا هذه الأخبار مثلها في الضعف و ما صح منها غير دال على موضع النزاع لأن الخبر الدال على المنع ممّا يقع فيه الخمر من طبخ أو عجين يحتمل أن يكون المنع منه للنجاسة بل لتحريمه فإذا مازج المحلل حرمه كما لو وقع في القدر دهن من حيوان محرم فإذا منع منه لتحريمه لا لنجاسته
و الاستدلال بالآية فيه إشكال لكن مع اختلاف الأصحاب و الأحاديث يؤخذ بالأحوط في الدّين هذا كلامه و هو حسن لكن في حكمه بعدم وجود الخبر الصحيح من الطرفين تأمّل
البحث الثاني في سائر الأنبذة المسكرة و حكمها في التنجيس حكم الخمر لا نعرف في ذلك خلافا بين الأصحاب و احتج عليه في المعتبر بأنّ المسكر خمر فيتناوله حكم الخمر أما أنه خمر فلأن الخمر إنما سمي بذلك لكونه يخمر العقل و يستره فما ساواه في المسمّى يساويه في الاسم و لما رواه علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي ٧ قال إن اللّٰه سبحانه لم يحرم الخمر لاسمها و لكن حرّمها لعاقبتها فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر و روى عطاء ابن بشار عن أبي جعفر الباقر ٧ قال قال رسول اللّٰه٦كل مسكر حرام و كل مسكر خمر
و في كلا الوجهين نظر أما الأول فلأنه إثبات اللغة بالاستدلال و هو ممنوع عند المحققين و أمّا الثاني فلأن الظاهر من اللغة و العرف أن الخمر حقيقة في المسكر من العنب و غاية ما يستفاد من الخبرين إطلاق الخمر على كل مسكر و هو أعمّ من الحقيقة بل المجاز خير من الاشتراك و النقل و كون الأصل في الاستعمال الحقيقة إنما يكون عند عدم استلزامها للنقل أو الاشتراك على أنه يجوز أن يكون المراد اشتراكه مع الخمر في التحريم لأن الكلام مسوق لبيانه
و لا يبعد أن يقال قوله في خبر عطاء كل مسكر خمر مما يؤذن بالاشتراك في جميع الأحكام لأن ذلك ظاهر الحمل و التأسيس خير من التأكيد لكن جعله من المؤيدات أولى و ممّا يؤكّد ذلك صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال قال رسول اللّٰه٦الخمر من خمسة العصير من الكرم و النقيع من الزبيب و التبع من الغسل و المراد من الشعير و النّبيذ من التمر
و ممّا يدل على التسوية المذكورة صحيحة علي بن مهزيار و موثقة عمار السّابقتين و اعلم أن الحكم بنجاسة المسكر مخصوص عند الأصحاب بما هو مائع بالأصالة كما نبه عليه كثير منهم فالجامد بالأصالة طاهر و إن حصل له الميعان و المائع بالعكس
و العصير إذا غلى و اشتد
ألحق بعض الأصحاب بالخمر في التنجيس العصير إذا غلى و اشتد و لم يذهب ثلثاه و في المعتبر يحرم مع الغليان حتى يذهب الثلثان و لا ينجس إلّا مع الاشتداد و حكى فيه عن بعض الأصحاب أنه اكتفى في الحكم بالتنجيس بمجرد الغليان
و قال المصنف في التذكرة العصير إذا غلى حرم حتى يذهب ثلثاه و هل ينجس بالغليان أو يقف على الشدّة إشكال و مما نقلنا يعلم أن تفسير بعض المتأخرين للاشتداد الواقع في كلام الأصحاب هنا بالنجاسة المسبّبة عن مجرد الغليان ضعيف
و توجيهه بأن الغليان الحاصل بسبب النار مقتض لتصاعد الأجزاء البخارية الموجبة لتحقق قوام ماله و أن ما يحصل بغير النار مستند إلى سبب مجفف للرطوبة فاسد فإن مطلق التصاعد و التجفيف لا يقتضي حصول القوام الذي يوجب صدق الاشتداد لغة أو عرفا فلا يقع على أنه لو تم يلزم حصول الاشتداد قبل الغليان في كثير من الصور مع أن صحّته يقتضي المصير إلى الاكتفاء بمجرد الغليان لا حمل كلامهم عليه فإن كلامهم يأبى عن ذلك غاية الإباء
و اعلم أن القائل بنجاسة العصير قليل من الأصحاب كما يستفاد من الذكرى فإنه نقل القول بذلك