ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٤٩
تعيد الصّلاة و تغسله قلت فإني لم أكن رأيت موضعه و علمت أنه قد أصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلما صليت وجدته قال تغسله و تعيد قلت فإن ظننت أنه قد أصابه و لم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا ثم صليت فرأيته فيه قال تغسله و لا تعيد الصّلاة قلت لم ذلك قال لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا الحديث
و منها ما رواه الشيخ و الصدوق عن عليّ بن جعفر في الصّحيح أنه سأل أخاه موسى بن جعفر ٧ عن رجل عريان و حضرت الصّلاة فأصاب ثوبا نصفه دم أو كله دم يصلي فيه أو يصلي عريانا قال إن وجد ماء غسله و إن لم يجد ماء صلى فيه و لم يصل عريانا و روى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر ٧ قال سألته عن الرجل يأخذه الرعاف في الصّلاة كيف يصنع قال ينفتل فيغسل أنفه و روى الشيخ في الحسن عن عبد اللّٰه بن سنان قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم قال إن علم أنه أصاب ثوبه جنابة أو دم قبل أن يصلي ثم يصلي فيه و لم يغسله فعليه أن يعيد ما صلّى و عن سماعة قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن الرّجل يرى بثوبه الدم فنسي أن يغسله حتى يصلي قال يعيد صلاته كي يهتم بالشيء إذا كان في ثوبه عقوبة نسيانه
و في موثقة عمار كل شيء من الطير يتوضأ ممّا يشرب منه إلّا أن ترى في منقاره دما فإن رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه و لا تشرب و في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى ٧ قال سألته عن رجل رعف و هو يتوضأ فقطر قطرة في إنائه هل يصح الوضوء منه قال لا
و الأخبار في هذا الباب كثيرة و يستفاد من كثير منها عموم الحكم بانضمام العرف و قرائن الأحوال و ترك الاستفصال و إن يكن بلفظ دال على العموم لغة و لا يستفاد منها الذي ذكره الأصحاب من تخصيصه بدم ذي النفس و إخراج الدم المتخلف في الذبيحة و تنقيح المقام أن نقول الدم لا يخلو إما أن يكون دم ذي النفس أم لا فإن كان دم ذي النفس فلا يخلو إما أن يكون دما مسفوحا أي خارجا من العرق بقوة أم لا و على الثاني فلا يخلو إما أن يكون دما متخلفا في الذبيحة أم لا و إلّا ينقسم بحسب انقسام المذبوح إلى مأكول اللحم و غيره و إن لم يكن دم ذي النفس فلا يخلو إما أن يكون دم سمك أم لا فهاهنا أقسام ستة
الأول الدم المسفوح و لا ريب في نجاسته و ذكر المصنف في المنتهى أن ذلك مذهب علماء الإسلام و الأخبار دالة عليه و استدل عليه المصنف بقوله تعالى قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ و لعله مبني على حمل الرجس على معنى النجس و أن الضمير غير مختص بلحم الخنزير و الثاني مسلم و إن أمكن المناقشة فيه فإن تخصيص لحم الخنزير بالتعليل خلاف الظاهر أما الأول فغير مسلم لأن أهل اللغة لم يعدوا النجس من معاني الرجس و قد ذكروا له معاني كثيرة منها القذر و هو أعمّ من النجس
الثاني الدم المتخلف بعد الدم في حيوان مأكول اللحم و الظاهر أنه حلال طاهر بغير خلاف يعرف و نقل الإجماع عليه المصنف في المختلف
و يمكن الاستدلال عليه بالآية المذكورة مضافا إلى الإجماع المنقول لأنه يستفاد من الآية حصر المحرم في الأشياء المذكورة فيكون ما عداها حلالا و يلزم من ذلك طهارتها للإجماع على التحريم النجس لا يقال النسبة بين الأدلة و الأخبار الدالة على نجاسة الدم من غير تقييد عموم من وجه فيجوز تخصيص كل للآخر فلم رجحتم الآية على الأخبار مع اعتضاد الأخبار بقوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ و قوله تعالى إِنَّمٰا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ
لأنا نقول ارتكاب التخصيص في الأخبار أولى لأن دلالة الآية على العموم أصرح و أظهر للاستثناء و قوة الدلالة بانضمام مفهوم الوصف المستفاد من الآية مع أنه لو تخصص الآية بالأخبار يرجع محصل المعنى عند التصريح به لا يحرم شيء غير الدم المسفوح و أخويه إلّا الدم و هو غير جيد مع أن عمل الأصحاب أيضا مرجح قوي
الثالث الدم المتخلف في حيوان غير مأكول اللحم و ظاهر الأصحاب الحكم بنجاسته لعدم استثنائهم له عن الدم المحكوم بالنجاسة و يدل عليه العموم المستفاد من بعض الأخبار السّابقة قال صاحب المعالم و تردد في حكمه بعض من عاصرناه من مشايخنا
و منشأ التردد من إطلاق الأصحاب الحكم بنجاسة الدم مما له نفس مدعين الاتفاق عليه و هذا بعض أفراده و من ظاهر قوله تعالى أَوْ دَماً مَسْفُوحاً حيث دل على حل غير المسفوح و هو يقتضي طهارته قال و يضعف الثاني بأن ظاهرهم الإطباق على تحريم ما سوى الدم المتخلف في الذبيحة و دما السّمك على ما فيه و المتبادر من الذبيحة ما يكون من المأكول فدم ما لا يؤكل لحمه حرام عندهم مطلقا و عموم ما دل على تحريم الحيوان الذي هو دمه يتناوله أيضا إذا كثر الأدلة غير مقيدة باللحم و إنما علق التحريم فيها بالحيوان فيتناول جميع أجزائه و لا يردّ مثله في المحلل لقيام الدليل هناك على تخصيص التحليل باللحم و أجزاء أخر معينة
و بالجملة فحل الدم مع حرمة اللحم أمر مستبعد جدا لا سيما بعد ما قررناه من ظهور الاتفاق بينهم فيه و تناول الأدلة بظاهرها له و إذا ثبت التحريم هنا لم يبق للآية دلالة على طهارته انتهى كلامه و هو حسن و بالجملة الآية مخصصة باتفاق الأصحاب و ظواهر الأدلة الدالة على تحريم ما لا يؤكل لحمه
الرابع ما عدا المذكورات من الدماء التي لا تخرج بقوة من عرق و لا لها كثرة و انصباب لكنه مما له نفس و ظاهر الأصحاب الاتفاق على نجاسته و يستفاد ذلك أيضا من بعض الأخبار التي يختص بغير المسفوح فارجع و تدبر و ظاهر المعتبر و التذكرة نقل الإجماع عليه و يتوهم من تقييد المصنف في جملة من كتبه الدم المحكوم بالنجاسة بالمسفوح طهارة هذا القسم و الذي قبله بل يفهم من كلامه في المنتهى حصر النجس في المسفوح و كذا من كلامه في المختلف حيث قال محتجا على طهارة المتخلف في الذبيحة هو طاهر إجماعا لانتفاء المقتضي للتنجيس و هو السفح و لو لا مثل هذا الكلام لأمكن أن يقال مراده من المسفوح ما كان من ذي النفس كما يرشد إليه كلام ابن زهرة حيث استثنى منه ما ليس منه إن حمل على معناه الظاهر
و الظاهر أن ما يفهم من ظاهر كلام المصنف غير مراد له و أن الغرض من التقييد بالمسفوح إخراج مثل المتخلف في الذبيحة و غيرها مما حكموا باستثنائها و أنه لا ريب لأحد منهم في نجاسة الدم المبحوث عنه
الخامس دم السّمك و الظاهر أن طهارته إجماعي بين الأصحاب و قد نقل الإجماع عليه الشيخ في الخلاف و ابن زهرة في الغنية و ابن إدريس في السرائر و المحقق في المعتبر و المصنف في المختلف و الشهيد في الذكرى و ذكر المصنف في المختلف أن ظاهر تقسيم الشيخ الدم في المبسوط و الجمل يعطي حكمه بنجاسة دم السّمك و البق و البراغيث مع أنه لا تجب إزالة قليله و كثيره و تجاوز المتأخرون عن ذلك فجزموا بهذه النسبة و لم يقطع هو بل جعل ذلك ظاهر كلامه و الحق كما ذكره بعض المتأخرين أن هذه النسبة خطأ و إنما نشأ من سوء عبارة الشيخ ره و أن ظاهر كلامه غير مراد له
و يظهر ذلك لمن راجع كلامه في الخلاف فإنه ذكر فيه كلاما نظيرا لما ذكر في المبسوط و الجمل بعد ما نقل إجماع الفرقة على الطهارة قبل ذلك بسطر فحيث جمع بين العبارة المذكورة في عبارة واحدة دل ذلك على أنه متجوز في تلك العبارة و قد وقع كلام سلار و ابن حمزة أيضا نظير كلام الشيخ و الظاهر منهما أيضا متجوزان فيما ذكرا لكن التأويل في كلام سلار أبعد فمن أراد إذعان ما ذكرناه فعليه أن يرجع إلى كلامهم مع التدبر ثم اعلم أن المصنف استدل على طهارة دم السّمك بوجوه
الأوّل الإجماع
الثاني قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ و هو يدل على إباحة تناول كل أجزائه و في دلالة الآية على العموم تأمّل
الثالث قوله تعالى قُلْ لٰا أَجِدُ الآية
الرابع أنه يجوز أكله بدمه من غير أن يسفح منه إجماعا و لو كان نجسا يحرم أكله
الخامس أن علة النجاسة السفح و هو منتف في دم السّمك و فيه تأمّل
السادس ما روى السكوني عن جعفر عن أبيه أن عليا ٧ كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذك يكون في الثوب فيصلي فيه يعني دم السّمك و لا يخفى أن الاستدلال الثالث يقتضي القول بحل دم السّمك و كذا الثاني و الرابع على تقدير الصحة و لا أعلم التصريح بذلك إلّا في هذا الكتاب و التذكرة حيث استدل بالآيتين على الطهارة و بين وجه الدلالة في الأولى بأنها تقتضي إباحة السمك بجميع أجزائه و في الثانية بأنها ظاهرة في انحصار المحرم من الدم في المسفوح و دم السمك ليس بمسفوح فيجب أن لا يكون محرما و ذلك يقتضي طهارته و في كلام ابن إدريس حيث استدل بالآيتين على الوجه المذكور و بالدليل الرابع الذي ذكره المصنف
و قال في المعتبر مستدلا على طهارة دم السّمك و لأن دم السّمك لو كان نجسا لوقفت إباحة أكله على سفح دمه بالذبح كحيوان البر و لكن الإجماع على خلاف ذلك فإنه يجوز أكله بدمه و الشهيد الثاني في الرّوضة عبارة يظهر منها الحكم بالحل و ظاهر كثير من عباراتهم تخصيص التحليل بالدم المتخلف في الذبيحة و تعميم التحريم في غيره من الدماء قيل و قد وقع التصريح بذلك أيضا في كلام بعضهم و التنصيص على تحريم دم السمك بالخصوص
و الظاهر أنه لا حجة لهم عليه إلّا الاستحباب و هو موضع نظر و إذا لم يثبت ذلك كانت الآية دليلا قويا على حله و طهارة السادس دم غير السّمك مما لا نفس له و قد نقل جماعة من الأصحاب الإجماع على طهارة دم كل حيوان لا نفس له كالشيخ و ابن زهرة و ابن إدريس و الفاضلان و الشهيد و يوهم كلام الشيخ في المبسوط و الجمل و كلام سلار و ابن حمزة المخالفة في ذلك و قد نبهناك على ما يندفع به هذا الوهم
و يدل عليه مضافا إلى الإجماع المنقول صحيحة عبد اللّٰه بن أبي يعفور قال قلت لأبي عبد اللّٰه ٧ ما تقول في دم البراغيث قال ليس به بأس قال قلت إنه يكثر و يتفاحش قال و إن كثر و روايتا الحلبي قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن دم البراغيث في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة قال لا و إن كثر و رواية محمد بن ريان قال كتبت إلى الرجل٧هل يجري دم البق مجرى دم البراغيث و هل يجوز لأحد أن يقيس بدم البق على البراغيث فيصلي فيه و أن يقيس على نحو هذا فيعمل به فوقع ٧ تجوز الصّلاة و الطهر منه أفضل و ينبغي التنبيه على أمور
الأول حكى المحقق عن الشّيخ أنه حكم بطهارة الصديد و القيح ثم قال و عندي في الصديد تردد أشبهه النجاسة لأنه ماء الجرح يخالطه يسير دم و لو خلا من ذلك لم يكن نجسا و خلافنا مع الشيخ يئول إلى العبارة أنه لا يوافق [لأنه موافق] على هذا التفصيل أما القيح فإن مازجه دم نجس بالممازج و إن خلا من الدم كان طاهرا و لا يقال هو مستحيل من الدم لأنا نقول لا نسلم أن كل مستحيل من الدم لا يكون طاهرا كاللحم و اللبن انتهى كلامه و ما فصله حسن
الثاني المشهور بين الأصحاب طهارة القيء و نقل الشيخ في المبسوط عن بعض الأصحاب نجاسته و يدل على الأوّل مضافا إلى الأصل موثقة عمار الساباطي أنه سأل أبا عبد اللّٰه ٧ عن القيء يصيب الثوب فلا يغسل قال لا بأس به و عن عمار أنّه سأل أبا عبد اللّٰه ٧ عن الرجل يتقيّأ في ثوبه يجوز أن يصلي فيه و لا يغسله قال لا بأس و لعل عدم صحة الخبرين غير قادح بعد عمل أكثر الأصحاب بمضمونهما و اعتضادهما بالأصل
و حجة القائل بالنجاسة غير معلومة و نقل في المختلف له حجة يرجع محصله إلى قياسه على الغائط و الدم و هو ضعيف جدّا