ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٤١
لكن في ذلك احتياط فلا بأس و فيه إشارة إلى ما قد يقال من أن رواتها لم يسندوها إلى الإمام ٧ فيجوز أن يكون قولهم قلنا له إشارة إلى بعض العلماء قال بعض الأصحاب ثم قال و هذا الاحتمال و إن كان مرجوحا إلّا أنه غير ممتنع و عندي أن هذا الاحتمال ساقط عن درجة الاعتبار فإن القرائن الواضحة شاهدة بأن مثل هؤلاء الأجلاء لا يسندون إلّا إلى الإمام ٧ و التعويل في المسألة على الخبرين الأولين أقرب لاعتضادهما بالشهرة و الأصل مخالفة ظاهر الخبر الأخير للقول بعدم انفعال البئر بالملاقاة كما هو التحقيق بل ظاهره متروك عند القائلين بالانفعال أيضا باتفاقهم على ما حكاه المصنف في المنتهى و اعلم أن المشهور أن البئر لا ينجس بالبالوعة و إن تقاربتا إلّا أن يعلم وصول نجاستها إلى الماء بناء على القول بالانفعال أو بتغيره على ما اخترناه و يدل عليه مضافا إلى العمومات الدالة على طهارة الماء مطلقا أو ماء البئر رواية محمّد بن القاسم عن أبي الحسن ٧ في البئر بينهما و بين الكنيف خمسة و أقل و أكثر يتوضأ منها قال ليس يكره من قرب و لا بعد يتوضأ منها و يغتسل ما لم يتغير الماء و رواية أبي بصير قال نزلنا في دار فيها بئر إلى جبنها بالوعة ليس بينهما إلّا نحو من ذراعين فامتنعوا من الوضوء منها فشق ذلك عليهم فدخلنا على أبي عبد اللّٰه ٧ فأخبرناه فقال توضئوا منها فإن لتلك البالوعة مجاري تصب في واد ينصب في البحر و حينئذ تعين التأويل في حسنة الفضلاء و قد قيل الظاهر من سوقها كونها مفروضة في محل يكثر ورود النجاسة عليه و يظنّ فيه النفوذ و ما هذا شأنه لا يبعد فضاؤه مع القرب إلى تغير الماء لا سيما إذا طال الزمان فلعل الحكم بالتنجيس حينئذ ناظر إلى شهادة القرائن بأن يكون جريان البول في مثله يفضي إلى حصول التغير في أوصاف الماء أو نقول إن كثرة ورود النجاسة على المحل مع القرب يثمر ظن الوصول إلى الماء في الجملة بل ربما حصل معه العلم بقرينة الحال و هو موجب للاستقذار و لا ريب في مرجوحية الاستعمال معه قبل النزح فيكون الحكم بالتنجيس و النهي عن الاستعمال محمولين على غير الحقيقة و هو جائز لضرورة الجمع و الحمل الأخير عندي أولى
مسألة قال المحقق في المعتبر إذا تغير ماء البئر تغيرا يصلح أن يكون من البالوعة ففي نجاسته تردد لاحتمال أن يكون لا منها و إن بعد و الأحوط التطهير لأن سبب النجاسة قد وجد فلا يحال على غيره لكن هذا ظاهر لا قاطع و الطهارة في الأصل مثبتة فلا تزال بالظن و جزم المصنف في المنتهى ببقائه على الطهارة و قواه الشهيد في الذكرى و هو حسن
و أسئار الحيوان
كلها طاهرة عدا الكلب و الخنزير و الكافر و الناصب السؤر ما يبقى بعد الشرب كما فسره به أهل اللغة و المحقق في المعتبر و لعل المبحوث عنه هنا ماء قليل باشره فم الحيوان و فسره الشهيد و من تأخر عنه بماء قليل باشره جسم حيوان و قال ابن إدريس في السرائر السؤر عبارة عما شرب منه الحيوان لو باشره بجسمه من المياه و سائر المائعات و السؤر تابع للحيوان في النجاسة و قد وقع الخلاف في مواضع باعتبار الخلاف في النجاسة
الأول سؤر اليهود و النصارى فحكى المحقق عن المفيد قولين أحدهما النجاسة ذكره في أكثر كتبه و الآخر الكراهة ذكره في الرسالة الغرية و هو المنقول عن ظاهر ابن الجنيد
الثاني سؤر المجسمة و المجبرة فذهب الشيخ في بعض كتبه إلى نجاسته و خالفه في المجسمة بعض الأصحاب و وافقه بعض و خالفه الأكثر في المجبرة
الثالث سؤر من لم يعتقد الحق غير المستضعف فقال ابن إدريس بنجاسته و نقل بعض الأصحاب عن المرتضى القول بنجاسته غير المؤمن و هو يقتضي نجاسة سؤره و الباقون على خلاف ذلك
الرابع سؤر ولد الزنا فالمحكي عن المرتضى القول بنجاسته لأنه كافر و ينسب القول بكفره إلى ابن إدريس أيضا و ربما نسب إلى الصدوق أيضا القول بنجاسة سؤره لكن كلامه ليس بصريح فيه
الخامس سؤر ما عدا الخنزير من أنواع المسوخ فذهب الشيخ إلى نجاستها فينجس سؤرها و هو المحكي عن ابن الجنيد و ابن حمزة و الأكثر على خلافه و حوالة تحقيق هذه المسائل إلى مباحث النجاسات أولى ثم في تبعية السؤر للحيوان في الطهارة خلاف فذهب أكثر الأصحاب كالفاضلين و الشهيدين و جمهور المتأخرين إلى طهارة سؤر كل حيوان طاهر و هو المحكي عن المرتضى في المصباح و الشيخ في الخلاف و اختاره في النهاية لكنه استثنى فيها سؤر ما أكل الجيف من الطير و عن المرتضى و ابن الجنيد استثناء الجلال
و ظاهر الشيخ في التهذيب المنع من سؤر ما لا يؤكل لحمه و كذا في الإستبصار لكن استثنى فيه سؤر الفأرة و نحو الباز و الصقر من الطيور و ذهب الشيخ في المبسوط إلى أن سؤر ما لا يؤكل لحمه من الحيوان الّذي في الحضر غير الطير لا يجوز استعماله إلّا ما لا يمكن التحرز منه كالهرة و الفأرة و الحية و غير ذلك
و الأقرب مختار الأكثر للعمومات الدالة على طهارة المياه إلّا ما خرج بالدليل و للأخبار الكثيرة الواردة بطهارة كثير بما وقع النزاع فيه كصحيحة الفضل أبي العباس قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن فضل الهرة و الشاة و البقرة و الإبل و الحمار و الخيل و البغال و الوحش و السباع فلم أترك شيئا إلّا سألته عنه فقال لا بأس به حتى انتهيت إلى الكلب فقال رجس نجس لا توضأ بفضله و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء و صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال سألته عن الكلب يشرب من الإناء قال اغسل الإناء و عن السنور قال لا بأس أن يتوضأ من فضلها إنما هي من السّباع و رواية معاوية بن شريح قال سأل عذافر أبا عبد اللّٰه٧و أنا عنده عن سؤر السّنور و الشاة و البقرة و البعير و الحمار و الفرس و البغل و السباع تشرب منه أو تتوضأ منه فقال نعم اشرب منه و توضأ قال قلت له الكلب قال لا قلت أ ليس هو سبع قال لا و إنه نجس
و رواية معاوية بن ميسرة عن أبي عبد اللّٰه ٧ و ذكر مثله و صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال في كتاب علي ٧ أن الهر سبع و لا بأس بسؤره و إني لأستحيي من اللّٰه أن أدع طعاما لأن الهرة أكل منه و رواية أبي الصباح عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال كان علي ٧ يقول لا تدع فضل السنور أن تتوضأ منه إنما هي سبع و صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه ٧ في الهرة أنها من أهل البيت و تتوضأ من سؤرها
و صحيحة أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر ٧ قال في كتاب علي ٧ لا أمتنع من طعام طعم منه السنور و لا من شراب شرب منه السنور و صحيحة جميل بن دراج قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن سؤر الدواب و الغنم و البقر أ يتوضأ منه و يشرب قال لا بأس و موثقة عمار بن موسى عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال سئل عما يشرب منه باز أو صقر أو عقاب فقال كل شيء من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلّا أن ترى في منقاره دما فإن رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه و لا تشرب
و رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّٰه ٧ أن أبا جعفر كان يقول لا بأس بسؤر الفأرة إذا شربت من الإناء أن يشرب منه و يتوضأ منه و بهاتين الروايتين احتج الشيخ في الإستبصار للاستثناء الذي حكيناه و احتج للمنع من سؤر غير المأكول بما رواه عن عمار بن موسى عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال سئل عما يشرب منه الحمام فقال كل ما يؤكل لحمه يتوضأ من سؤره و يشرب
و جوابه أن دلالة مفهوم [مه] معارض بما هو أقوى منه فتكون متروكة و أجاب عنه في المختلف بوجه آخر ملخصه أنا لو سلمنا كون المفهوم حجة يكفي في دلالة مخالفة المسكوت عنه للمنطوق في الحكم الثابت للمنطوق الوضوء بسؤر ما لا يؤكل لحمه و مخالفة المسكوت عنه للمنطوق لا يقتضي أن يكون كل ما يؤكل لحمه على خلاف ذلك بل يجوز انقسامه إلى ما يجوز الوضوء منه و ما لا يجوز كالكلب و الخنزير فإن الانقسام حكم مخالف لأحد القسمين
و الصواب أن يجعل هذا الإيراد قدحا في اعتبار المفهوم هاهنا بأن يقال يجوز أن يكون التخصيص بالوصف المذكور بناء على عدم ثبوت الحكم بدونه كلية إذ لا يصلح هذا إيرادا بعد تسليم دلالة المفهوم لأن الظاهر أن من اعتبر المفهوم اعتبر نفي الحكم عن جميع أفراد المورد التي قيد بالوصف عند انتفاء الوصف فتدبر
ثم لا يخفى أن مقتضى الأخبار المتضمنة لنفي البأس عن سؤر الهرة و غيرها من السباع طهارتها بمجرد زوال العين لأنها لا تكاد تنفك عن النجاسات خصوصا الهرة فإن العلم بمباشرتها للنجاسة متحقق في أكثر الأوقات و قد نفي فيها البأس عن سؤرها مطلقا و لو لا ما ذكرناه للزم صرف اللفظ إلى أفراد نادرة بل تأخير البيان عن وقت الحاجة
و بالجملة الظاهر أن زوال العين كاف في طهارة الحيوان سواء غابت أم لا و به صرح المحقق في المعتبر و المصنف في المنتهى و التذكرة فإنهما قالا إن الهرة لو أكلت ميتا ثم شربت من الماء القليل لم ينجس بذلك سواء غابت أو لم تغب و مثله قال الشيخ في الخلاف و حكي عن بعض العامة أنه قال إن شربت قبل أن تغيب عن العين لا يجوز الوضوء به
ثم استدل بإجماع الفرقة على طهارة سؤر الهر و عدم فصلهم و قال المصنف في النهاية لو تنجس فم الهرة بسبب كأكل فأرة و شبهه ثم ولغت في ماء قليل و نحن نتيقن نجاسة فمها فالأقوى النجاسة لأنه ماء قليل لاقى نجاسة و الاحتراز تعسر عن مطلق الولوغ لا عن الولوغ بعد تيقن نجاسة الفم و لو غابت عن العين و احتمل ولوغها في ماء كثير أو جار لم ينجس لأن الإناء المعلوم الطهارة فلا يحكم بنجاسته بالشك
و يظهر منه الميل إلى عدم الاكتفاء بزوال العين بل يحتاج إلى التطهير الشرعي و على ذلك التقدير فالاكتفاء بمجرد الاحتمال بناء على أصل الاستصحاب كما هو مذهب المصنف لا يخلو عن إشكال نعم إن لم نقل بالاستصحاب كان القول بالطهارة متجها لعموم موثقة عمار السابقة مرادا المعتضدة بالأصل السالم عن المعارض هذا حكم غير الآدمي و أما الآدمي فقد قيل إنه يحكم بطهارته لغيبته زمانا يمكن فيه إزالة النجاسة بشرط علمه بالنجاسة و أهليته للإزالة بكونه مكلفا عالما بوجوب الإزالة