ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٢٩
على ما نقل عن بعض الأصحاب رواية الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال إذا كان الماء في الركي كرا لم ينجّسه شيء و المراد بالركي الآبار
و استدل له مع ذلك بعموم ما دل على اشتراط الكرية في عدم الانفعال و يمكن الاستدلال له بالخبر العاشر ممّا نقلنا من أخبار الطهارة
و الجواب عن الأوّل أن هذا الخبر ضعيف السند جدا و مع ذلك دلالته دلالة المفهوم فلا يصح المعارضة الأخبار السّابقة و هذا هو الجواب عن الثالث مع أن الخبر غير صحيح و عن الثاني أنه لا دلالة فيها على انفعال القليل مطلقا حتى يشمل محل النزاع كما أشرنا إليه مرارا سلمنا لكن يجب تخصيصها جمعا بين الأدلة
و أوجبوا نزح الجميع
في موت البعير هو في الإبل بمنزلة الإنسان كما نص عليه أهل اللّغة و جماعة من الأصحاب فيشمل الذكر و الأنثى في الصغير و الكبير و الظاهر أنه لا خلاف في هذا الحكم بين الأصحاب أما على وجه الوجوب أو الاستحباب و نقل ابن زهرة اتفاق الأصحاب على وجوب نزح الجميع فيه و عده ابن إدريس من المتفق عليه بينهم
و تدل عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال إذا سقط في البئر شيء صغير فمات فيها فانزح منها سبع دلاء قال فإن وقع فيها جنب فانزح منها سبع دلاء و إن مات فيها بعير أو صب فيها خمر فلينزح و صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال إن سقط في البئر دابة صغيرة أو نزل فيها جنب نزح منها سبع دلاء فإن مات فيها ثور أو نحوه أو صبّ فيها خمر نزح الماء كله
و أما رواية عمرو بن سعيد بن هلال قال سألت أبا جعفر ٧ عما يقع في البئر ما بين الفأرة و السنّور إلى الشاة فقال كل ذلك يقول سبع دلاء حتى بلغت الحمار و الجمل فقال كر من ماء فحملها الشيخ على أنه جواب عن حكم الحمار تعويلا في حكم الحمل على ما عرّف من وجوب نزح الجميع و هو بعيد جدا و الصّواب ردها لعدم صلاحيّتها لمقاومة الخبر الصحيح لأن راويه مجهول الحال و ضعفها المحقق بأن راويه عمرو بن سعيد فطحي و تبعه على ذلك المصنف و الشهيد
و أورد عليهم أن عمرو بن سعيد الفطحي من أصحاب الرّضا ٧ و هذه الرواية عن الباقر ٧ لأن الراوي عن عمرو بن سعيد عمر بن يزيد و هو من رجال الصّادق ٧ و تصريح الشيخ أيضا بأن عمرو بن سعيد بن هلال من أصحاب الصّادق ٧
و الأقرب إلحاق الثور بالبعير قيل إنه مذهب أكثر الأصحاب و تدل عليه صحيحة عبد اللّٰه بن سنان السابعة و عن ابن إدريس أنه اكتفى فيه بالكر و ذكر المصنف أن الشيخين و أتباعهما لم يذكروه لكنهم أوجبوا نزح كر للبقرة و نقل صاحب الصّحاح إطلاق البقرة عليه و لا يخفى أن عرف هذا الزمان لا يوافق ما نقل من الصحاح
و لكن يحتمل أن يكون هذا العرف متجددا بعد زمانهم و الشيخان و إن لم يذكر الثور صريحا لكنه داخل في عموم كلامهم حيث ذكروا نزح كر للحمار و البقرة و أشباههما و احتج عليه الشيخ في التهذيب بخبر عبد اللّٰه بن سنان المشتمل على ذكر الثور صريحا و وقوع المني أوجب الشيخ نزح الجميع للمني و يستفاد من كلام ابن زهرة و ابن إدريس نقل اتفاق الأصحاب عليه و الأخبار خالية عنه و نقل عن كثير من الأصحاب التصريح بأن النص خالية عنه
و حكاه في الذكرى عن الشيخ أبي علي ولد الشيخ في شرح نهاية والده و قال في المعتبر لم أقف على ما يدل بمنطوقه على وجوب نزح الماء بالمني بل يمكن أن يقال ماء محكوم بنجاسته و لم يثبت طهارته بإخراج بعضه فيجب نزحه و هذا الوجه لو تم يختص القول بانفعال البئر بالملاقاة و المني بإطلاقه شامل لمني الإنسان و غيره ممّا له نفس سائلة و ربما قيل باختصاص بمني الإنسان و إدخال غيره فيما لا نصّ فيه و الوجه إدخال الجميع
و دم الحيض و الاستحاضة و النفاس ذهب إليه الشيخ و جماعة و نقل ابن زهرة إجماع الأصحاب و ابن إدريس عدها في جملة المتفق عليه بينهم و اعترف جماعة منهم بعدم النّص فيها على الخصوص قال في المعتبر بعد نسبة ذلك إلى الشيخ و أتباعه و الاعتراف على عدم النصّ فيه و لعل الشيخ نظر إلى اختصاص دم الحيض بوجوب إزالة قليله و كثيره عن الثوب فغلط حكمه في البئر و ألحق به الدمين الأخوين لكن هذا التعليل ضعيف فالأصل أن حكمه حكم بقيّة الدماء عملا بالأحاديث المطلقة و في التسوية بينه و بين غيره من الدّماء نظر سيأتيك وجهه و احتج له في المختلف بنحو احتجاج المحقق في حكم المني و قد عرفت حاله و المسكر ذكر الشّارح الفاضل و الفاضل الشيخ علي و بعض المتأخرين أن المراد به المائع بالأصالة لعدم نجاسة مثل الحشيشة
و لا يخفى أن أكثر عبارات الأصحاب حال عن التقييد و في نهاية الشيخ شراب مسكر و كذا في غيبة ابن زهرة و لعلّ ذلك مراد الباقين و الحكم المذكور و مشهورة بين الأصحاب و نقل ابن زهرة و ابن إدريس الاتفاق عليه و تدل عليه صحيحة الحلبي و عبد اللّٰه بن سنان السّابقتان و صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه ٧ في البئر يبول فيها الصّبي أو يصب فيها بول أو خمر فقال ينزح الماء كله و هذه الرّواية متضمّنة لنزح الجميع للبول و لا قائل به و حملها الشيخ على حصول التغير به و المحقق على الاستحباب بالنّسبة إلى البول بناء على القول بالوجوب و أورد بعضهم على خبر ابن سنان أنه مشكل مخالف للمشهور في الدابة الصّغيرة فيشكل التعويل عليه
و المشهور بين الأصحاب عدم الفرق بين قليل الخمر و كثيره حتى جعل ابن إدريس ذلك من جملة المتفق عليه بينهم و دليلهم عليه هذه الروايات و فيه نظر لأن السبب لا يصدق على مثل القطرة و إنكاره مكابرة و ذهب ابن بابويه في المقنع على ما نقل منه أنّه ينزح للقطرة من الخمر عشرون دلوا و هو مروي عن زرارة قال قلت لأبي جعفر ٧ بئر قطر فيها قطرة دم أو خمر قال الدّم و الخمر و الميّت و لحم الخنزير في ذلك كل واحد ينزح منه عشرون دلوا فإن غلب الريح نزحت حتى تطيب
و هذه الرّواية ضعيف السّند و ظاهرها الاكتفاء بالعشرين في الخمر و ما ذكر معه و لا قائل به فيما أعلم و روى كردويه قال سألت أبا الحسن ٧ عن البئر تقع فيها قطرة دم أو نبيذ مسكر أو بول أو خمر قال ينزح منها ثلاثون دلوا و هذا الخبر أيضا ضعيف و يظهر عن المحقق الميل إلى العمل بهما و إذ قد عرفت أن الأخبار المتقدّمة لا تشمل مثل القطرة و الأخيرين ضعيفان لا يصلحان للدلالة فإلحاق القطرة بما لا نص فيه وجه
و يمكن أن يقال بناء على القول بالنجاسة إن استحباب النجاسة غير ثابت إلّا بالقدر الَّذي اقتضاه الدليل فيجب الاقتصار في الحكم بالنجاسة و بقائها على القدر المتيقن و بعد نزح العشرين لا دليل على بقاء النجاسة فتسلم العمومات الدالة على الطّهارة بالنسبة إليه سالمة عن المعارض
و منه يعلم أن قول الصدوق غير بعيد و اعلم أن الروايات المذكورة إنما تضمّنت حكم الخمر إلّا أن معظم الأصحاب لم يفرقوا بين الخمر و سائر المسكرات و احتج عليه في المعتبر بعد الاعتراف بعدم حديث يدل عليه نطقا بما ورد في بعض الأخبار من أنّ كلّ مسكر خمر و تبعه على هذا الاستدلال جماعة ممن تأخر عنه
و فيه تأمّل لأن الرواية غير صريح في تسمية المسكر خمرا بل يجوز أن يكون المراد اشتراكه مع الخمر في التحريم لأنها مسوقة لبيانه و الإنكار على من خص التحريم بالخمر و حمل الخبر عليه غير بعيد جمعا بين الخبر و المستفاد من اللغة و العرف من تسميته خمرا و الفقاع ذكر المرتضى في الانتصار أن الفقّاع هو الشراب المتخذ من الشعير و الأولى الرجوع عنه إلى العرف إذا لم يعلم إطلاقه على ما علم حله و طهارته كماء الزّبيب الّذي لم يتغيّر عن حقيقته
و الحكم المذكور ذكره الشيخ و جماعة ممن تأخر عنه و يستفاد من كلام ابن زهرة و ابن إدريس نقل الاتفاق عليه و ليس فيه نص على الخصوص و احتج المحقق و من تبعه بأنّ الفقاع خمر لقول الصّادق ٧ في رواية هشام بن الحكم و قد سأله عن الفقّاع أنه خمر مجهول و قول الكاظم ٧ أنه خمر استصغرها النّاس و يورد عليه ما سبق و ألحق الشهيد في الذكرى بالخمر العصير العنبي بعد الاشتداد لشبهه به و هو قياس محض
مسألة حكى الشهيد عن أبي الصّلاح إيجاب نزح الجميع لبول ما لا يؤكل لحمه و لروثه إلّا بول الرجل و الصّبي و نسب إلى ابن البراج إيجاب الجميع بعرق الإبل الجلالة و عرق الجنب من حرام و عن البصر و إلحاق خروج الكلب و الخنزير حيين و عن بعضهم إلحاق الفيل و لم أطلع على دليل لشيء من ذلك كلّه و لعلّهم بنوا هذه الأحكام على إيجاب نزح الجميع فيما لا نصَّ فيه فإن تعذّر نزح الجميع لكثرته تراوح عليها أربعة رجال يوما التراوح تفاعل من الرّاحة لأن كل اثنين يريحان صاحبهما و هذا الحكم ذكره الشيخان و أتباعهما
و ذكر المصنّف في المنتهى أنه لا يعرف فيه مخالفا بين القائلين بالتنجيس و نقل عليه ابن زهرة إجماع الفرقة و مستنده موثقة عمار السّاباطي عن أبي عبد اللّٰه ٧ في حديث طويل قال في آخره و سئل عن بئر وقع فيها كلب أو فأرة أو خنزير قال ينزف كلها فإن غلب عليه الماء فلينزف يوما إلى الليل ثم يقام عليها قوم يتراوحون اثنين فينزفون يوما إلى اللّيل و قد طهرت و الرواية غير صحيحة لأن في طريقها جماعة من الفطحيّة و قد تضمّنت ما لا يقولون به و هو إيجاب نزح الماء